شرح
نفوسهم ، كالخوف والمرض والفقر والفقد وأمثالها ، وهي الّتي زعم الخصم كونها
شروراً ، ولا خلاف بين الفريقين في كونها نازلة من الله تعالى عليهم . وبذلك صحّ
قوله جلّ وعلا : ( قل كلٌّ من عند الله ) ( 1 ) أي أنّ نزولها منه ، ولكن دلالته على
صدور الشرّ منه سبحانه ممنوع صغرى وكبرى .
أمّا الصغرى : فلمنع كون تلك البلايا شروراً على ما سنبيّنه عند تعرّض السيّد
الناظم ( قدس سره ) له قريباً إن شاء الله تعالى .
وأمّا الكبرى : فلأنّ المتيقّن من دلالة الآية الشريفة ، بل الظاهر منها ليس إلاّ ما
ذكرنا من كون نزول تلك المصائب منه تعالى ، وذلك لا ينفي كون سبب النزول
معاصي العبد وأفعاله السيّئة ؛ تسليماً لصراحة قوله جلّ وعزّ : ( وما أصابك من
سيّئة فمن نفسك ) ( 2 ) أي أنّ سببها منك . فلا تهافت بين الآيتين ، ولا شاهد لدعوى
الخصم في البين .
وأُخرى تطلق ويُراد بها الأفعال الاختيارية الصادرة من العباد ، الموجبة
للثواب والعقاب يوم المعاد ، كما في قوله تعالى : ( من جاء بالسيّئة فلا يجزى إلاّ
مثلها ) ( 3 ) .
وحينئذ فالأمر أوضح ، وبراءة ساحة قدسه تعالى عن صدور الشرّ منه أظهر
بناءً على مذهب العدلية - وهو الحقّ الحقيق - وخلافاً لمذهب الجبر الفاسد على ما
ستعرفه إن شاء الله تعالى .
وأمّا الآيتان الأخيرتان وأمثالهما الدالّة بظاهرها على عموم خالقيته تعالى
لكلّ شيء ، فليست إلاّ عمومات قابلة للتخصيص على سبيل سائر العمومات الّتي
شاع فيها ذلك بحدّ اشتهر قولهم : " ما من عامّ إلاّ وقد خُصّ " .
بل وقد زادت تلك الآيات على سائر العمومات بقطعية تخصيصها
بمخصّصات كثيرة ، حيث إنّه لا شبهة ولا خلاف لأحد في كونها مخصّصة بذاته
هامش
( 1 ) النساء : 78 . .
( 2 ) النساء : 79 .
( 3 ) الأنعام : 160 .