شرح
أنواع الشرّ منه أيضاً ؛ لعدم القول بالفصل .
وأمّا العقل : فلأنّه لو قيل بكون صدور الشرّ من العبد ، وكونه هو الخالق له لزم
تعدّد الخالقين بعدد المصدرين للسوء ، ولا ريب في كون ذلك مخالفاً لما ذكر من
نصوص الكتاب والسنّة الدالّة على انحصار الخالق فيه تعالى هذا .
ولا يذهب عليك أنّ هذه التلفيقات هي مبنى مذهب الجبر على ما تسمعه في
باب العدل مقروناً بنقضه إن شاء الله تعالى .
ونقول في المقام جواباً عنها - مضافاً إلى ما عرفت فيما تقدّم من أنّ حكم
العقل القطعي لا يعارضه شيء أبداً ، وأنّه لابدّ في ما تتراءى فيه المعارضة من
تأويله وحمله على غير ظاهره - إنّ جميع ما ذكره من الوجوه منظور فيه ،
ولا شيء منها يثبت الدعوى الفاسدة .
أمّا الآية الأُولى ، فالجواب عنها :
أوّلا : أنّها معارضة بما بعدها من قوله تعالى : ( ما أصابك من حسنة فمن الله
وما أصابك من سيّئة فمن نفسك ) ( 1 ) الدالّ بظاهره بل بصريحه على كون السيّئة
والشرّ من العبد ، لا منه تعالى .
ولا محيص عن الجمع بينهما بالتأويل في إحداهما دفعاً للتهافت ، وليس
تخصيص التأويل بالثانية والأخذ بظاهر الأُولى أولى من العكس .
وثانياً : أنّها لا مساس لها بإثبات الدعوى .
بيان ذلك : أنّ الحسنات في كتاب الله تعالى على ما ورد في الحديث إنّما هي
على وجهين :
أحدهما : ما يناله العبد من نِعَم لم يتكلّف لها ، ولا يثاب عليها ، كالصحّة والسعة
والدعة ونظائرها ، وهذا هو المتسالم عليه أنّ صدوره وإيجاده من الله تعالى ،
ولا خلاف فيه بين الفريقين ، وهو الظاهر من قوله سبحانه : ( ما أصابك من حسنة
هامش
( 1 ) النساء : 79 .