شرح
وحينئذ « فتثبت » الدعوى ، وهي إمكان رؤيته تعالى بعد الاعتراف بكون
« العلّة » هي صرف الوجود ضرورة حصوله « في ربّ السما » وبداهة اشتراكه
سبحانه مع غيره في أصل الوجود المطلق الّذي ثبت كونه سبباً وحيداً للرؤية .
فكما أنّه سبب لإمكان رؤية غيره ، فكذا يكون سبباً لإمكان رؤيته تعالى بعد
ثبوت كون السببية بحكم العقل منحصرةً فيه ، حيث إنّ حكمه الاستقلالي غير قابل
للتخصيص بفرد دون فرد . وإذ قد ثبت الإمكان فلا موقع للتحاشي عن دعوى
الوقوع أيضاً .
ولا وجه لتكذيب ما رواه قيس بن حازم عن النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنّه قال : " إنّكم
سترون ربّكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر " ( 1 ) .
والجواب : أنّ المقدّمات الثلاث وإن كانت مسلّمة متسالماً عليها ؛ لكنّها
لا تثبت علّية الوجود المطلق بنفسه من غير شرط له ولا قيد معه ، بل إنّما يثبت بما
ذكر علّيته في الجملة ؛ وذلك لوضوح اشتراط علّيته للرؤية بوقوع الضوء على
المرئي ، وعدم القرب والبعد المفرطين وأمثالها من الشرائط المذكورة في كتب
الحكمة . ومن الواضح اختصاصها بالمادّيات ؛ ضرورة امتناع رؤية المجرّدات
البعيدة عن تلك الشرائط ، كوقوع الضوء عليه وأمثاله ، مع تحقّق الوجود في
جميعها . وذلك نظير الروح وصفات النفس والقلب كالعلم والإرادة والقدرة والشجاعة
والكرم والحياء والحبّ والرياء والفرح والداء وأضدادها وأمثال ذلك ممّا يدرك
بغير حاسّة البصر ، كالروائح المشمومة ، والأصوات المسموعة ، والكيفيات
الملموسة من حيث الخشونة والنعومة والحرارة والبرودة والثقل والخفّة .
وكذا الأشياء المدركة بالذوق ، كالحلاوة والحموضة والمرارة والملوحة .
وكلّ ذلك واضح .
وقد بالغ بعض أذناب الرجل في الوقاحة وقال : لا مانع من القول بصحّة رؤية
هامش
( 1 ) إعانة الطالبين 1 : 28 البكري الدمياطي ، المبسوط للسرخسي 1 : 142 ، بحارالأنوار 91 : 251 .