فنظرة المشتاق ليست إلاّ * كرفعه اليدين نحو الأعلا
فالله لا تُدركه الأبصار * نصّ عليه الذكر والآثار
وليت شعري ما يقول الأشعري * يرى الوجود مدركاً بالنظر
شرح
وهكذا وذلك لوضوح أنّ طلوعه سبب للنور المرئي . وكذا الكسوف سبب للظلمة
المرئية . وبذلك صحّ نسبة الرؤية إلى نفس السبب وإقامته مقام المسبب بإسقاط
الواسطة بينه وبين النظرة . وعليه فحيث إنّ الكائنات بأجمعها حاكية عن الذات
المقدّسة ، وكلّها آياته وآثاره سبحانه ، فلا وحشة ولا تحاشى في نسبة النظرة
« لوجه الباري » ونفسه العليا ، كما أشرنا إلى ذلك فيما تقدّم عند ذكر الآيتين
( أينما تولّوا فثمّ وجه الله ) ( 1 ) ( قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربّي ) ( 2 ) .
وعليه « فنظرة المشتاق » المدلول عليها في تلك الآية المباركة ليست
صريحة في رؤية نفس الذات المقدّسة ولا تثبت إمكانها رغماً على أنف الخصم .
وإن تنازلنا معه في معنى النظرة ، وسلّمنا كونها بالباصرة ، فإنّها على هذا
« ليست إلاّ » عبارة عن النظر إلى آثاره الكثيرة ، وليس حالها إلاّ « كرفعه
اليدين » حين الدعاء « نحو » الجانب « الأعلى » فإنّ ذلك إشارة إلى علوّ مقام
سيّده ، وكناية عن رفعة شأنه ، لا لتعيينه سبحانه في جهة خاصّة . وكذلك النظرة إليه
تعالى كناية عن النظرة إلى ما يرى من آثاره الدالّة عليه .
« فالله لا تدركه الأبصار » عقلا ، كما « نصّ عليه الذكر » الحكيم في آيات
كثيرة « و » كذا « الآثار » المرويّة عن المعصومين ( عليهم السلام ) في أحاديث متواترة ،
فراجع مظانّها . « وليت شعري ما يقول الأشعري » خلافاً لحكم العقل الباتّ
ونصوص الكتاب والسنّة ، وإجماع عقلاء الملل حيث « يرى الوجود » البسيط
البحت المجرّد المنزّه عن شوائب الأجسام « مدركاً بالنظر » الظاهري إلى حقيقته
المقدّسة وذاته العليا ؛ وذلك لشبهة واهية لفّقها وزعمها برهاناً قويّاً مُبتن على
هامش
( 1 ) البقرة : 115 .
( 2 ) الكهف : 109 .