مجتهداً مجاهداً في الدين * وسالكاً مسالك اليقين
زالَ الغطا عنه فما يراه * بالقلب فوق ما ترى عيناه
فانظر إلى قول إمام البررة * مضمون لا أعبد ربّاً لم أره
شرح
البهيمية حال كونه « مجتهداً » في مراقبة النفس وتحليتها بالفضائل ، وتهذيبها عن
الرذائل ، وقهرها بملازمة الطاعة واجتناب المعصية ، وكان « مجاهداً في » نصرة
« الدين » بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر « وسالكاً » في ذلك « مسالك »
أهل « اليقين » وأُولي الثقة التامّة بالله ، بحيث لا تأخذه في الله لومة لائم ، ولا يمنعه
عن ذلك خوف ولا هم ، كما قال تعالى : ( وجاهدوا في الله حقّ جهاده ) ( 1 )
( واتّقوا الله حقّ تقاته ) ( 2 ) فمن اتّصف بذلك كلّه « زال الغطا عنه » وانكشف
الحجاب عن قلبه ، وحصل له اليقين الكامل بربّه تعالى أكثر من اليقين الحاصل له
بمشاهدة العين .
وعليه « فما يراه » ذلك الأوحدي « بالقلب » هو « فوق ما ترى عيناه »
الباصرتان . وبذلك يُطلق على يقينه النظر والرؤية من غير التماس تأويل أو تكلّف
مجاز ، وأنّ ذلك إطلاق شائع كتاباً وسنّةً وعرفاً « فانظر إلى قول إمام البررة »
أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام حينما سأله سائل : هل
رأيت ربّك ؟ فأجابه ( عليه السلام ) بما هو « مضمون لا أعبد ربّاً لم أره » إلى أن قال ( عليه السلام ) :
" لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان " ( 3 )
فتراه ( عليه السلام ) قد أطلق الرؤية على اليقين القلبي بكلّ صراحة من غير عناية .
ونظائره كثيرة في الأحاديث المأثورة ، وفي الكتاب ، نحو قوله تعالى : ( إنّهم
يرونه بعيداً ونراه قريباً ) ( 4 ) ومن الواضح قطعياً فيه عدم إرادة الرؤية بالباصرة .
هامش
( 1 ) الحجّ : 78 .
( 2 ) آل عمران : 102 .
( 3 ) نهج البلاغة : 258 الخطبة : 179 ، بحار الأنوار 4 : 52 ح 7 ، وج 72 : 279 .
( 4 ) المعارج : 6 .