كيف ومن هذا التجلّي تنجلي * آية الامتناع في وجه جلي
شرح
الكليم ( عليه السلام ) إليه اندكّ وتلاشى قطعاً ، ولم يبقَ مستقرّاً ؛ فإنّه لو بقي حينئذ مستقرّاً
لحصلت الرؤية بمقتضى التعليق ، وحيث إنّه لم تحصل الرؤية اتّفاقاً من الفريقين ،
ثبت وقوع الاندكاك ، وبثبوته ثبتت استحالة وقوع ضدّه حينه ، وبثبوت استحالة
الضدّ ثبت استحالة الرؤية المشروطة به ، وهو المطلوب .
وقد انقدح بذلك : أنّه ليس في تعليق الرؤية على استقرار الجبل ما ينافي
استحالة الرؤية .
ثمّ كيف يتوهّم إمكان ذلك مع أنّ الجبل العظيم على صلابته لم يحتمل نظرة
واحدة من ربّه تعالى ، ولم يطق تجلّي هيبته وجلاله وعظمته وكبريائه طرفة عين
حتّى تفطّر وتهدّم واندكّت صخوره الشديدة بحيث صارت ذرّات منتشرة ورمالا
متناثرة كما قال جلّ وعلا : ( فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكّاً وخرّ موسى
صعقاً ) ( 1 ) . هذا مع أنّ تلك النظرة منه سبحانه لم تكن إلاّ خلقاً ضعيفاً من
مخلوقاته . وإذن فما ظنّك بخالقها العظيم ، و « كيف » يدّعى إمكان رؤيته تعالى ،
فضلا عن دعوى وقوعها بمشاهدة الأبصار له سبحانه على ما هي عليه من الضيق
والحقارة ، وقلّة الإحاطة . « ومن » التأمّل في « هذا التجلّي » بعد الغضّ عمّا ذكر
من البرهان المنطقي « تنجلي » لك دليل الاستحالة و « آية الامتناع في وجه
جلي » واضح ، ثمّ البرهان على عظمة تلك النظرة الكبريائية مع كونها خلقاً من
مخلوقاته ، بل من أضعف مخلوقاته تعالى .
وكذا البرهان على عظم سؤال القوم ، واستحالة الرؤية ما صرّح به في نفس
الآية المذكورة من غلبة الإغماء على الكليم ( عليه السلام ) برؤية الاندكاك العظيم ، ثمّ نزول
الصاعقة على قومه .
هامش
( 1 ) الأعراف : 143 .