وخصّ بالنفس لكشف الأمر * لقوله وسدّ باب العذر
شرح
موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ) ( 1 ) .
فلم يكن قوله ( عليه السلام ) ( ربّ أرني أنظر إليك ) ( 2 ) بتوهّمه إمكان الرؤية ، ولا طلب
جدّ وحقيقة ، بل بإلحاح من قومه أن يسأل ذلك ويطلبه من ربّه .
بل وعلّقوا إيمانهم على رؤية ربّهم : ( وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتّى
نرى الله جهرة ) ( 3 ) وإلاّ فالكليم ( عليه السلام ) بنفسه يجلّ عن توهّم ذلك ، فضلا عن طلبه
ذلك عن جدّ وحقيقة . وهو ذلك النبيّ المعصوم المعظّم الّذي اختاره الله تعالى
للنبوّة والرسالة ، وأنزل عليه التوراة ، وجعله أحد الأنبياء الخمسة أُولي العزم الّذين
فضّلهم على سائر الأنبياء ( عليهم السلام ) وكافّة الخلائق . كلّ ذلك لمكان علمه ومعرفته مع
سائر كمالاته وخصاله الحميدة .
ويشهد لما ذكر ما صرّح به في نفس الآية المذكورة من تخصيص الصاعقة
بقومه ونزولها عليهم خاصّة .
وكذا نسبة الظلم إليهم ، دون ذلك النبيّ الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في قوله جلّ وعزّ :
( فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ) ( 4 ) .
ولو كان الكليم ( عليه السلام ) مشاركاً لهم في الطلب الحقيقي وجدّ السؤال لشاركهم في
استحقاق نزول الصاعقة عليه ، ونسبة الظلم إليه ، بل كان أولى منهم بذلك وأحقّ بالانتقام .
وذلك لما ذكرنا من ميزه عنهم بالعلم والمعرفة ، وذلك ممّا يوجب شدّة الانتقام
عند الخلاف والمعصية كما هو واضح .
لا يقال : إنّه لو كان الأمر كذلك لكان الأنسب طلب الرؤية لهم خاصّة بقوله
مثلا " أرهم ينظرون إليك " ولا أقلّ من تعميم طلب الرؤية له ولهم جمعاً بقوله
" أرنا " مثلا ، فيكون ذلك أبعد له من التهمة بطلبها لنفسه خاصّة « و » قد نرى
أنّه ( عليه السلام ) « خصّ » السؤال « بالنفس » حيث قال : ( أرني ) بصيغة المفرد ، وذلك ممّا
هامش
( 1 و 4 ) النساء : 153 . .
( 2 ) الأعراف : 143 .
( 3 ) البقرة : 55 .