فإنّ معنى قوله : إن استقرّ * مكانه قراره حال النظر
وكان مندكّاً وإلاّ لوقع * رؤيته والضدّ إذ ذاك امتنع
شرح
في الموقّت في قصّة اليهود خاصّة على تقدير تسليم ذلك إنّما كان مع قيام القرينة
المذكورة ، وذلك غير مناف لظهورها القطعي في المؤبّد المساوق للاستحالة عند
إطلاقها وعدم قيام قرينة صارفة لها عن ظاهرها . كلّ ذلك بشهادة العرف واللغة
بلا ريب ولا شبهة .
وأمّا ما احتجّ به الرجل ثانياً من أنّ تعليق الرؤية على الأمر الممكن مثبت
لإمكانها ، فذلك أيضاً فاسد ، حيث إنّ المعلّق عليه في المقام لم يكن أمراً ممكناً
« وليس في التعليق » عليه « ما ينافي » الاستحالة المستفادة من كلمة " لن " فإنّ ما
علّقت عليه الرؤية لم يكن استقرار الجبل عند صدور الجواب ، أو مقارناً للخطاب
قبل النظر إليه ، وإلاّ لحصلت له رؤيته تعالى قبل النظر ، وهو قطعي الانتفاء اتّفاقاً
واعترافاً من الخصم . بل المراد استقراره حين نظر الكليم ( عليه السلام ) إليه « فإنّ معنى
قوله » سبحانه « إن استقرّ » أي الجبل « مكانه » هو « قراره » وثباته « حال النظر »
إليه ، قد علم قطعياً بنصّ الآية الشريفة أنّه لمّا نظر إليه تجلّى ربّه للجبل « وكان »
أي صار الجبل بتجلّيه تعالى له « مندكّاً » متلاشياً وتفرّقت أجزاؤه حتّى صار
أرضاً ساطحاً « وإلاّ » أي ولو لم يندكّ حال النظر وبقي مستقرّاً « لوقع » ما علق
عليه ، وهو « رؤيته » تعالى تثبيتاً لصدق الجملة الشرطية ، وحفظاً للتلازم فيها بين
المقدّم والتالي . وحيث إنّه لم تقع الرؤية قطعاً اتّفاقاً من الكلّ تعيّن وقوع الاندكاك
« و » عدم ما هو « الضدّ » له وهو الاستقرار « إذ » وقع « ذاك » أي الاندكاك ،
وبوقوعه « امتنع » وقوع ضدّه ؛ ضرورة استحالة اجتماع الضدّين ومعنى ذلك
استحالة الاستقرار حين النظر . فإذا ثبتت استحالته حينئذ لمكان وجود ضدّه ،
ثبتت استحالة الرؤية المعلّقة عليه أيضاً . وإنّ ذلك برهان منطقي بنحو القياس
الشرطي والاستثنائي لاستحالة رؤيته تعالى . وملخّصه : أنّ الجبل في حين نظر