كيف ولم يكن لوجهه جهة * به الجهات كلّها متّجهة
شرح
المرئي في جهة خاصّة ، و « كيف » يمكن القول بكونه سبحانه في جهة مخصوصة
دون غيرها « ولم يكن لوجهه جهة » محدودة ولا لذاته المقدّسة محلّ مخصوص
( أينما تولّوا فثمّ وجه الله ) ( 1 ) و « به الجهات » الستّ « كلّها متّجهة » ومنها الفلك
المحدّد للجهات .
بل وبه تعالى وجدت الجهات ، وبه صارت الجهة جهة كما يعلم ذلك بالتأمّل .
وحينئذ كيف يعقل أن تحدّده جهة خاصّة ؟
وأمّا الآية الشريفة ، فقد عرفت لزوم التأويل في أمثالها وصرفها عن ظاهرها
بعد استقلال العقل بحكمه القطعي بعدم إمكان الأخذ بظاهرها وقد ورد عن أهل
البيت ( عليهم السلام ) فيها أنّ الوجوه إلى رحمة ربّها ناظرة ( 2 ) . ولعلّ المراد انتظارهم رحمته ،
فأُقيم المضاف إليه مقام المضاف المحذوف لمكان العينية بينهما في الحقيقة ، أو
لمكان معلومية المحذوف لدى أهل المعرفة ، نظير قوله تعالى حكاية عن قول
إخوة يوسف ( عليه السلام ) ( واسئل القرية ) ( 3 ) أي أهلها .
هذا كلّه مضافاً إلى نصوص الكتاب ومتواترات السنّة القطعية وإجماع أهل
الحقّ وسائر العقلاء على استحالة رؤيته ، كما قال جلّ وعلا : ( لا تدركه الأبصار
وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ) ( 4 ) .
وقد ورد في المأثور عن أهل البيت ( عليهم السلام ) في تفسير اللطيف فيه أنّه من لا
تدركه العقول والأوهام على سعتها وإحاطتها بما تقصر عنه إحاطة الأبصار ،
فكيف بالأبصار على ضعفها وعدم إحاطتها بغير ما تشاهده وتقابله .
وعن الإمام الباقر ( عليه السلام ) أنّه قال لأبي هاشم : " يا أبا هاشم أوهام القلوب أدقّ
من أبصار العيون ، أنت قد تدرك بوهمك السند والهند والبلدان الّتي لم تدخلها
هامش
( 1 ) البقرة : 115 .
( 2 ) تفسير القمّي 2 : 397 ، تفسير الصافي 5 : 256 .
( 3 ) يوسف : 82 .
( 4 ) الأنعام : 103 .