من كان بالذات فبالذات غني * والافتقار من شؤون الممكن
فكلّ ما يفضي للافتقار * لا يمكن اعتباره في الباري
فلم يكن مركّباً بما فرض * له من المعنى وإلاّ ينتقض
شرح
وبطلان ذلك أوضح واضح ، فإنّ « من كان » وجوده « بالذات » غنيّاً عن سبب
وموجد حسب التسالم عليه بمقتضى التسالم على وجوب وجوده وقدمه من غير
حدوث « فبالذات غنيّ » عن كلّ شيء ؛ لمكان التلازم بينهما بحكم العقل القطعي ،
حيث إنّ الحاجة في أصل الوجود أعظم من الحاجة إلى صفاته ، وإنّ الغناء فيه ذاتاً
يستلزم الغناء عنها بطريق أولى « و » أنّ « الافتقار من شؤون الممكن » المحتاج
في أصل خلقته إلى موجد يوجده ، فهو يحتاج في إدراكه مثلا إلى علم يحدث فيه
وفي فعله إلى قدرة يقتدر بها على العمل . . . وهكذا .
وعليه « فكلّ ما يفضي » وينتهي أمره « للافتقار » ولو من حيث لوازمه
كالشجاعة والسخاوة وأمثالهما على ما تقدّم بيانه « لا يمكن اعتباره في الباري »
جلّ وعلا .
وإلى ذلك أشار سيّد الموحّدين أمير المؤمنين بقوله ( عليه السلام ) : " أوّل الدين معرفته ،
وكمال معرفته التصديق به ، وكمال التصديق به توحيده ، وكمال توحيده الإخلاص
له ، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه ، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف ،
وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة ، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه ، ومن قرنه
فقد ثنّاه ، ومن ثنّاه فقد جزّأه ، ومن جزّأه فقد جهله " ( 1 ) إلى آخره .
وحينئذ « فلم يكن » الواجب تعالى « مركّباً بما فرض » وقدر « له من
المعنى » سواء كان التركّب عقلياً كتركّب النوع من الجنس والفصل ، أم خارجياً
كتركّب الجسم من المادّة والصورة ، أم اعتبارياً كتركّب المعاجين من الأجزاء
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : 39 الخطبة الأُولى .