والكذب في كلامه عزّ وجلّ * لم يجرِ باتّفاق أرباب الملل
وهو لقبحه عليه يمتنع * وباحتماله الوثوق يرتفع
شرح
الخامسة منها ( 1 ) : سلب صفة الكذب عنه تعالى
واستحالة صدوره منه سبحانه عقلا ، فضلا عن النقل والإجماع ؛ وذلك
لأنّ الكذب قبيح بالضرورة ، وهو تعالى منزّه عن كلّ قبيح ، ويستحيل ذلك فيه . كما
أنّ الصدق كمال بحكم العقل الباتّ ، فيجب اتّصافه تعالى به ، فإنّ عدمه لا يكون إلاّ
عن الجهل أو السفه أو العبث ، كما أشرنا إليه فيما تقدّم . وقد تعالى ربّنا عن كلّ
ذلك .
هذا مضافاً إلى إجماع الأُمم على ذلك « و » على أنّ « الكذب في كلامه عزّ
وجلّ » مطلقاً في إخباراته الماضية أو المستقبلة « لم يجرِ باتّفاق أرباب الملل »
وأصحاب الأديان ، فضلا عن خصوص المسلمين . « وهو لقبحه » عقلا « عليه »
سبحانه « يمتنع » قطعياً ، فإنّ تجويز الكذب عليه تعالى يوجب عدم التعويل على
وعده بالأجر والثواب ، وعدم الخوف والحذر من وعيده بالعقاب .
« وباحتماله » يزول « الوثوق » واليقين بثوابه وعقابه ، و « يرتفع » السكون
وطمأنينة النفس بصدقه .
وذلك يستتبع إهمال العباد في طاعته ، واجترائهم على معصيته ؛ لعدم حصول
القطع لهم حينئذ بما يترتّب على كلّ منهما في النشأة الأُخروية . ومعنى ذلك عدم
تمامية الحجّة عليهم في ذلك من ربّهم ، بل يوجب قيام الحجّة لهم عليه تعالى .
وذلك مخالف لنصوص الكتاب والسنّة المتواترة ، كقوله تعالى : ( لئلاّ يكون
للناس على الله حجّة ) ( 2 ) ( قل فللّه الحجّة البالغة ) ( 3 ) .
وقد خالفت الأشاعرة في كلّ ذلك ، فجوّزوا عليه تعالى الكذب ، وذهبوا إلى
هامش
( 1 ) المناسب للسياق : خامسها . .
( 2 ) النساء : 165 .
( 3 ) الأنعام : 149 .