شرح
سادسها : أنّه لا شبهة في كون كلامه اللفظي جلّ وعلا على أنحاء ، فمنها خبر ،
ومنها إنشاء ، ومنها أمر ، ومنها نهي ، ومنها تنبيه ، ومنها ما يفيد التمنّي أو الترجّي أو
التعجّب أو القسم أو النداء إلى غير ذلك .
وحينئذ إن قيل بكون الكلام النفسي المدلول للكلام اللفظي بزعمهم واحداً
بسيطاً حقيقياً باعتبار قيامه بالذات المقدّسة البسيطة وعينيتها معه كسائر الصفات
الذاتية ، لزم كون الواحد الحقيقي مدلولا لألفاظ متباينة متغايرة المعنى ، وذلك
مستلزم لتوارد العلل المتعدّدة على معلول واحد ، حيث إنّ الدالّ علّة للمدلول ،
واستحالة ذلك واضحة ؛ للزوم الخلف الصريح وإن قيل بتعدّده بعد التسالم على
العينية باعتبار تعدّد ما يدلّ عليه ، لزم تعدّد الذات المقدّسة واختلافها باختلاف
الألفاظ ، بل وعدم تناهيها عدداً - والعياذ بالله - كما هو واضح ، حيث إنّ تلك
المداليل غير متناهية في العدد والاختلاف باعتبار عدم تناهي كلماته الدالّة عليها
على ما يستظهر من قوله سبحانه : ( قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربّي لنفد البحر
قبل أن تنفد كلمات ربّي ولو جئنا بمثله مدداً ) ( 1 ) وكيف يجوز لأدنى مسلم أو غير
مسلم التفوّه بذلك .
سابعها : أنّ القول بالكلام النفسي يستلزم عدم جواز توصيفه تعالى بالصادق ،
ولا توصيف كلامه سبحانه بالصدق ، بعد اعتراف الخصم بأنّه عار عن عوارض
الكلام اللفظي وأنّه أشبه شيء بحديث النفس . ومن الواضح أنّ ذلك تكذيب
صريح لنصوص كثير من الآيات القرآنية ، نظير قوله تعالى : ( وإنّا لصادقون )
ومن أصدق من الله حديثاً ) ( ومن أصدق من الله قيلا ) ( 2 ) وأمثال ذلك .
ثامنها : أنّه بعد الغضّ عن كلّ ذلك ، وتسليم ذاك المخترع إن قيل بانحصار
كلامه تعالى في ذلك ، وأنّه لا يوصف بالمتكلّم إلاّ باعتباره ، ولم يقم به سبحانه إلاّ
ذلك المعنى النفسي ، لزم - والعياذ بالله - سقوط القرآن الحكيم وسائر كتبه المنزّلة
هامش
( 1 ) الكهف : 109 .
( 2 ) الأنعام : 146 ، النساء : 87 ، النساء : 122 .