شرح
ومنها : اتّحادية تفيد ثبوت الوصف للذات على نحو العينية ، كالأبيض
والأسود مثلا عند حملهما على نفس السواد والبياض ، أو حمل الموجود على
نفس الوجود . ومثل ذلك حمل صفات الله الذاتية على ذاته المقدّسة .
وعليه فقول الخصم : " إنّ صيغة التفعّل دالّة على المطاوعة " ليس إلاّ خلطاً
واضحاً ، فإنّها لا تدلّ إلاّ على ثبوت النسبة بينه تعالى وبين المتكلّم ، وأيّ مانع من
نسبته إليه سبحانه بنسبة صدورية ، ويكون معنى المتكلّم ما هو المتبادر لدى
العرف ، وهو موجد الكلام الّذي هو عبارة عن الصوت المعتمد على مقاطع
الحروف بكيفية خاصّة ، وهو المظهر لما في الضمير ، والمنبئ للسامع ما غاب عنه
وخفي عليه ، وهو داخل في الكيف المسموع من المقولات التسع العرضية .
ولا فرق في ذلك بين كون صدوره بآلة اللسان ، كما إذا وصف به المخلوق ، أو
بغير آلة أصلا ، كما إذا وصف به الخالق تعالى ، فإنّ كلاّ منهما موجد للكلام ، وعليه
فلا مانع من اتّصافه بالمتكلّم ، وليس تلبّس الذات دخيلا في شيء منهما .
ثانيها : أنّه بعد الغضّ عن ذلك ، وتسليم دخول المطاوعة في مدلول باب
التفعّل ، وانحصار دلالته عليها يمكن أن يقال : إنّ التلبّس بالكلام مع الكليم ( عليه السلام )
وإن كان في الظاهر للشجرة ، وكانت المطاوعة فيها ، ولكن حيث إنّه تعالى كان هو
القيّوم عليها ، وكانت هي صنعه ، فلا مانع من نسبة المطاوعة والتلبّس إلى ذاته
المقدّسة مجازاً باعتبار إيجاده ذلك في الشجرة وكون إرادته النافذة هي السبب
لذلك نظير قوله جلّ وعلا : ( وما رميت إذ رميت ولكنّ الله رمى ) ( 1 ) .
ثالثها : أنّ مبدأ المتكلّم ومصدره ليس هو الكلام كما زعمه ، وبذلك وقع في
المحذور وحار في التخلّص منه ، حتّى اخترع ما اخترع ، بل ليس مبدؤه إلاّ
التكلّم ، وليس هو إلاّ وصفاً انتزاعياً له تعالى باعتبار صدور الكلام منه نظير الخالق
والرازق وأمثالهما من صفات الأفعال كما ذكرنا ، وليس شيء منها من صفات
هامش
( 1 ) الأنفال : 17 .