شرح
أمّا في الكلام الخبري ، فلأنّه ربما يخبر الإنسان بشيء لا يعلمه ، فيكون لفظه
بشهادة العرف واللغة دالاّ على شيء مخزون في نفسه مغاير لعلمه ، وذلك لعدم
علمه بثبوت ما أخبر به .
وأمّا في الكلام الإنشائي ؛ فلأنّه ربما يأمر الإنسان بشيء امتحاناً أو تعجيزاً
مثلا وهو لا يريد وقوع ذلك عن جدّ وحقيقة ، فكذا اللفظ منه لغةً وعرفاً قد دلّ
على وجود الطلب في نفسه مع عدم تحقّق إرادته لذلك على الفرض .
وبذلك يتّضح أنّ ذلك المخزون في النفس المدلول عليه باللفظ إخباراً كان أو
إنشاء شيء ثالث مغاير للعلم والإرادة ، وليس هو إلاّ الكلام النفسيّ .
وإذ قد ثبت ذلك في المخلوقين ، فالقياس يثبت مثله في الخالق تعالى أيضاً .
ويلتزم فيه سبحانه بوجود كلام نفسيّ له مخزون في نفسه المقدّسة قديم بقدمه متّحد
معه في ذاته مدلول عليه بتلك الكلمات المؤلّفة خارجاً المسمّاة بالكلام اللفظي .
هذا غاية ما يوجّه به كلام القوم في المسألة بتوضيح منّا . ولكن لا يذهب
عليك أنّ كلّ ذلك سفسطة واهية ، وخرافات فاسدة من وجوه :
أحدها : أنّ باب التفعّل غير منحصر معناه في المطاوعة ، وكثيراً ما تستعمل
صيغته في الموجد للمبدأ أو المظهر له ، كما في الترنّم والتفرعُن مثلا .
وكيف كان فذلك خارج عن مدلول اللفظ وأجنبيّ عن هيئة المشتقّ ، بل أنّ
ذلك من أقسام النسبة المستفادة منه بين المادّة والذات فإنّ هيئة المشتقّ إذا
عرضت على المادّة أفادت نسبة المادّة إلى الذات ليس إلاّ .
ولكن النسبة على أنحاء :
فمنها : حلولية كالقائم والقاعد مثلا .
ومنها : صدورية ، كالضارب والقاتل وأمثالهما .
ومنها : وقوعية زمانية أو مكانية ، كالمقتل والمقتول ، ونظائرهما من أسماء
الزمان والمكان والمفعول .
ومنها : آلية صرفة ، كالمقراض والميزان وأشباههما .