تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
شرح
أمّا في الكلام الخبري ، فلأنّه ربما يخبر الإنسان بشيء لا يعلمه ، فيكون لفظه بشهادة العرف واللغة دالاّ على شيء مخزون في نفسه مغاير لعلمه ، وذلك لعدم علمه بثبوت ما أخبر به . وأمّا في الكلام الإنشائي ؛ فلأنّه ربما يأمر الإنسان بشيء امتحاناً أو تعجيزاً مثلا وهو لا يريد وقوع ذلك عن جدّ وحقيقة ، فكذا اللفظ منه لغةً وعرفاً قد دلّ على وجود الطلب في نفسه مع عدم تحقّق إرادته لذلك على الفرض . وبذلك يتّضح أنّ ذلك المخزون في النفس المدلول عليه باللفظ إخباراً كان أو إنشاء شيء ثالث مغاير للعلم والإرادة ، وليس هو إلاّ الكلام النفسيّ . وإذ قد ثبت ذلك في المخلوقين ، فالقياس يثبت مثله في الخالق تعالى أيضاً . ويلتزم فيه سبحانه بوجود كلام نفسيّ له مخزون في نفسه المقدّسة قديم بقدمه متّحد معه في ذاته مدلول عليه بتلك الكلمات المؤلّفة خارجاً المسمّاة بالكلام اللفظي . هذا غاية ما يوجّه به كلام القوم في المسألة بتوضيح منّا . ولكن لا يذهب عليك أنّ كلّ ذلك سفسطة واهية ، وخرافات فاسدة من وجوه : أحدها : أنّ باب التفعّل غير منحصر معناه في المطاوعة ، وكثيراً ما تستعمل صيغته في الموجد للمبدأ أو المظهر له ، كما في الترنّم والتفرعُن مثلا . وكيف كان فذلك خارج عن مدلول اللفظ وأجنبيّ عن هيئة المشتقّ ، بل أنّ ذلك من أقسام النسبة المستفادة منه بين المادّة والذات فإنّ هيئة المشتقّ إذا عرضت على المادّة أفادت نسبة المادّة إلى الذات ليس إلاّ . ولكن النسبة على أنحاء : فمنها : حلولية كالقائم والقاعد مثلا . ومنها : صدورية ، كالضارب والقاتل وأمثالهما . ومنها : وقوعية زمانية أو مكانية ، كالمقتل والمقتول ، ونظائرهما من أسماء الزمان والمكان والمفعول . ومنها : آلية صرفة ، كالمقراض والميزان وأشباههما .