شرح
الذات المقدّسة ، ولا من عوارضها كما عرفت فيما سبق .
رابعها : أنّ دعوى وجود شيء في النفس مغاير للعلم والإرادة يُسمّى بذاك
الاسم المخترع فاسدة جدّاً وكذب محض بشهادة الوجدان أوّلا ، ثمّ شهادة علماء
الفريقين ثانياً ، فقد قال القوشجي الحنفي في شرحه على التجريد : " ولقائل أن
يقول : إنّ المعنى النفسي الّذي يدّعون كونه قائماً بنفس المتكلّم ومغايراً للعلم هو
إدراك مدلول الخبر - إلى أن قال : - فلا يكون مغايراً للعلم " ( 1 ) .
وقال صاحب المواقف : " إنّ الكلام النفسي المخترع على لسان الأشعري إنّما
هو نفس الإرادة ومتّحد معها ، أو نفس الطلب المدلول عليه بالأمر ، وأنّه ليس في
النفس ورائهما شيء يسمّى بالكلام - إلى أن قال : - وحينئذ لا يثبت معنى نفسي
يدلّ عليه بالعبارات مغايراً للإرادة كما يدّعيه الأشاعرة " ( 2 ) .
وقال التفتازاني في كتابه شرح العقائد : " وهذا - أي ما ذكره أيضاً صاحب
المواقف بقوله : إنّ الكلام النفسي غير مرتّب الأجزاء - إنّما هو جيّد لمن يتعقّل لفظاً
قائماً بالنفس غير مؤلّف من الحروف المنطوقة المشروط وجود بعضها بعدم غيره ،
وغير مركّب من الأشكال المرتّبة الدالّة عليه . وأمّا نحن فلا نتعقّل من قيام الكلام
بنفس اللافظ إلاّ كون صور الحروف مخزونة مرتسمة في خياله ، بحيث إذا التفت
إليها كان كلاماً مؤلّفاً من ألفاظ مخيّلة أو نقوشاً مرتّبة ، وإذا تلفّظ كان كلاماً
مسموعاً " ( 3 ) انتهى . إلى غير ذلك ممّا أفاده الأكابر في إنكار ذلك بكلّ جدّ ويقين .
خامسها : أنّه بعد الغضّ عن كلّ ذلك ، وتسليم ذلك المخترع في المخلوقين ،
فلا معنى لقياس الخالق تعالى عليهم ، فإنّه بعد بطلان القياس من أصله عند أهل
الحقّ إنّما يُشترط في صحّته عند غيرهم اشتراك المقيس مع المقيس عليه في
الماهيّة وفي كثير من اللوازم والخصائص . وأمّا مع المباينة التامّة بينهما - كما في
المقام - فلا يصحّ قولا واحداً .
هامش
( 1 ) شرح التجريد للقوشجي : 319 .
( 2 ) المواقف : 293 .
( 3 ) شرح العقائد : 76 ، وانظر المواقف : 293 .