تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
شرح
الأفعال ، كما لم يمكنهم القول بقدم الحروف ، وعدم حدوثها منه تعالى تدريجاً لأنبيائه ( عليهم السلام ) حتّى يتخلّصوا بذلك عن توارد الحوادث عليه سبحانه . إلى أن التجؤوا في المائة الثالثة إلى اختراع شيء لم يقبله ذو مسكة ، ولم يتعقّله أُولو الألباب ، وقالوا : إنّ الكلام ينقسم إلى قسمين : أحدهما : ما هو المتعارف الشائع المشتمل على الحروف والصوت والإعراب والبناء والجهر والإخفات ، وهو القابل للاتّصاف بالصحّة واللحن ، والفصاحة والبلاغة والصدق والكذب والإنشاء والإخبار وأمثالها . وثانيهما : ما هو عار عن كلّ ذلك ، وهو ما يرتّبه الإنسان ويزوّره في نفسه من المعاني والهيئات الّتي يتصوّرها في فكره ليتلفّظ بها ويظهرها بلسانه عند الحاجة إليها ، وهي أشبه شيء بحديث النفس ، وهي المسمّاة بالكلام النفسي . ويشهد لذلك قول عمر على ما روي عنه : " زوّرت في نفسي كلاماً " ( 1 ) . وكذا قول الشاعر : إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا ( 2 ) وعليه فيكون كلامه تعالى عبارة عن المداليل النفسية القائمة بذاته المقدّسة ، الّتي دلّت عليها الكلمات اللفظية المنتسبة إليه من الكتب السماوية والأحاديث القدسية وخطاباته الموحاة إلى أنبيائه وملائكته وسائر أوليائه ( عليهم السلام ) . وأنّ كلامه النفسي ذلك على مبناهم مغاير لعلمه وإرادته تعالى ومتوسّط بينهما ، بمعنى أنّه متأخّر عن علمه ومتقدّم على إرادته حيث إنّه لا يزيد كلُّ منهما على كونه أمراً متصوّراً ، بخلاف ذلك المخزون المسمّى بالكلام النفسي ، فإنّه عبارة عن أُمور نفسية قائمة بالذات المقدّسة مغايرة للحروف والكلمات اللفظية . ويشهد لذلك ما يشاهد كثيراً من مخالفة مداليل الألفاظ مع ما في النفس من العلم والإرادة .
هامش
( 1 ) فتح الباري 13 : 383 ، الفائق في غريب الحديث 2 : 100 ، شرح نهج البلاغة 2 : 24 و 12 : 127 . ( 2 ) القائل هو الأخطل ، كما في شوارق الإلهام في مبحث التكلّم : 555 .
نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 115 | السيد حسن الحسيني اللواساني / السيد ابراهيم اللواساني