شرح
الأفعال ، كما لم يمكنهم القول بقدم الحروف ، وعدم حدوثها منه تعالى تدريجاً
لأنبيائه ( عليهم السلام ) حتّى يتخلّصوا بذلك عن توارد الحوادث عليه سبحانه . إلى أن
التجؤوا في المائة الثالثة إلى اختراع شيء لم يقبله ذو مسكة ، ولم يتعقّله أُولو
الألباب ، وقالوا : إنّ الكلام ينقسم إلى قسمين :
أحدهما : ما هو المتعارف الشائع المشتمل على الحروف والصوت والإعراب
والبناء والجهر والإخفات ، وهو القابل للاتّصاف بالصحّة واللحن ، والفصاحة
والبلاغة والصدق والكذب والإنشاء والإخبار وأمثالها .
وثانيهما : ما هو عار عن كلّ ذلك ، وهو ما يرتّبه الإنسان ويزوّره في نفسه من
المعاني والهيئات الّتي يتصوّرها في فكره ليتلفّظ بها ويظهرها بلسانه عند الحاجة
إليها ، وهي أشبه شيء بحديث النفس ، وهي المسمّاة بالكلام النفسي .
ويشهد لذلك قول عمر على ما روي عنه : " زوّرت في نفسي كلاماً " ( 1 ) .
وكذا قول الشاعر :
إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا ( 2 )
وعليه فيكون كلامه تعالى عبارة عن المداليل النفسية القائمة بذاته المقدّسة ،
الّتي دلّت عليها الكلمات اللفظية المنتسبة إليه من الكتب السماوية والأحاديث
القدسية وخطاباته الموحاة إلى أنبيائه وملائكته وسائر أوليائه ( عليهم السلام ) . وأنّ كلامه
النفسي ذلك على مبناهم مغاير لعلمه وإرادته تعالى ومتوسّط بينهما ، بمعنى أنّه
متأخّر عن علمه ومتقدّم على إرادته حيث إنّه لا يزيد كلُّ منهما على كونه أمراً
متصوّراً ، بخلاف ذلك المخزون المسمّى بالكلام النفسي ، فإنّه عبارة عن أُمور
نفسية قائمة بالذات المقدّسة مغايرة للحروف والكلمات اللفظية .
ويشهد لذلك ما يشاهد كثيراً من مخالفة مداليل الألفاظ مع ما في النفس من
العلم والإرادة .
هامش
( 1 ) فتح الباري 13 : 383 ، الفائق في غريب الحديث 2 : 100 ، شرح نهج البلاغة 2 : 24 و 12 : 127 .
( 2 ) القائل هو الأخطل ، كما في شوارق الإلهام في مبحث التكلّم : 555 .