وينسب القول إلى من قاله * وكيّف الصوت ولو بالآلة
شرح
اللسان منطق البشر » بتلك الآلة ، قادر على أن يوجد الأحرف المسموعة من غير
آلة ، وأن « يخلقها في شجر وفي حجر » كما تراه قد فعل في كلامه تعالى مع
كليمه ( عليه السلام ) ، وقال عزّ من قائل في ذلك : ( فلمّا أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن
في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إنّي أنا الله ربّ العالمين ) ( 1 ) .
وقد انقدح بذلك أنّ المتكلّم عبارة عمّن يوجد الكلام « و » العرف أقوى
شاهد على أنّه « ينسب القول إلى من قاله » وأوجده ، سواء كان إيجاده بآلة أو بغير
آلة « و » هو عبارة عمّن « كيّف الصوت » بكيفية مخصوصة في هيئات حروفه
وتراكيب كلماته « ولو » كان ذلك « بالآلة » .
وقد خالفت الأشاعرة في ذلك ؛ زعماً منهم أنّ التكلّم حيث إنّه مصدر من باب
التفعّل قد أُخذ فيه المطاوعة ، بمعنى قبول المبدأ والتلبّس به ، وأنّ المبدأ في المقام
بزعمهم هو الكلام ، فلا جرم يكون معنى المتكلّم هو المتلبّس بالكلام ، أي المتّصف
به في نفسه وبذاته ، وذلك لا يكون إلاّ في الصفات الذاتية . وحينئذ فلا محيص عن
القول بكونه من ذاتياته تعالى ( 2 ) .
ويشهد لذلك : عدم صحّة تعليقه وعدم صحّة سلبه عنه تعالى على ما هو الشأن
في الصفات الذاتية .
ولكن حيث إنّه لا يمكن التفوّه بذلك في المقام ؛ لوضوح كون الكلام ألفاظاً
حادثة تدريجية ، ولا يعقل كونها من ذاتياته تعالى لاستحالة كونه بذاته محلاّ
للحوادث قولا واحداً ، ارتبك القوم في مذهبهم في ذلك ، وحاروا في التخلّص من
العويصة ، وذهبوا في ذلك يميناً وشمالا حيث لم يمكنهم على مبناهم نسبة الكلام
إلى فعله تعالى ، بأن يقال : فعله متلبّس بالكلام . وبذلك يجعل الوصف من صفات
هامش
( 1 ) القصص : 30 .
( 2 ) مقالات الإسلاميّين : 293 ، شرح التجريد للقوشجي : 319 ، شرح المواقف 8 : 93 .