إذ الكلام أحرف مسموعة * للكشف عن مدلولها موضوعة
يخلقها الإنسان باللسان * ليظهر المضمر في الجنان
وجاعل اللسان منطق البشر * يخلقها في شجر وفي حجر
شرح
أحدها : أنّ تكلّمه أمر ممكن التحقّق في نفسه بالضرورة ، وأنّ داعي الحكمة
يدعو إلى ذلك مع ثبوت الغرض فيه وعدم المانع منه . وذلك معنى وجود العلّة
التامّة الملازم لوجود معلولها ، وبذلك يستكشف وجود المعلول ووقوعه وجوباً .
ولا سيّما فيمن لا يتطرّق إلى ساحة قدسه شيء من وجوه الإمكان . وكلّما أمكن
ثبوته له وجب ثبوته فيه كما أشرنا إلى ذلك فيما تقدّم ، ولابدّ من اتّصافه تعالى
حينئذ به ؛ حذراً من نسبة البخل أو العبث إليه والعياذ بالله .
ثانيها : أنّه لا شبهة في كون التكلّم صفة كمال ، وأنّ عدمه نقص ينزّه عنه
الباري تعالى ، فوجب اتّصافه به .
ثالثها : أنّه لا شبهة أيضاً في أنّ إنزال الكتب منه تعالى على العباد وتوجيهه
الكلام نحوهم وتفهيمهم المصالح والمفاسد لا يكون إلاّ لطفاً منه بهم ، وذلك واجب
عليه على ما سنبينه في محلّه إن شاء الله تعالى ؛ إذ بذلك يقرّبهم إلى طاعته ،
ويبعدهم عن معصيته من غير جبر ولا إلجاء ، فوجب ثبوت الوصف له . وبالجملة
فاتّصافه تعالى بالمتكلّم ثابت بالأدلّة الأربعة ، ولا خلاف في ذلك .
نعم اختلفوا في أنّه هل هو من صفات الذات ، أو من صفات الأفعال ؟
والحقّ عندنا هو الثاني « إذ الكلام » لغةً وعرفاً هو « أحرف » مؤلّفة للبيان
« مسموعة » بالآذان ، وهي « للكشف عن مدلولها موضوعة » .
ولا شبهة في أنّه « يخلقها الإنسان باللسان » الّذي يدير الصوت في مخارج
الحروف بنحو القرع « ليظهر المضمر في الجنان » ومن الواضح أنّه ليس الآلة
صرفة للكلام ، وأنّه ليس مأخوذاً في مفهومه ، بل إنّما هو واسطة لتحقّقه .
وحينئذ فالّذي أوجد قدرة الخلق والإيجاد في الإنسان « و » هو « جاعل