شرح
تلك الحوادث معلولا إلاّ لإرادته . ومن الواضح أنّ الإرادة المقارنة لها لابدّ وأن
تكون أيضاً حادثة ومنقدحة في ذاته تعالى شيئاً فشيئاً ، واستلزام ذلك لوقوعه
محلاّ للحوادث واضح ، وستأتيك البراهين القطعية على استحالة ذلك عند ذكر
الصفات السلبية إن شاء الله تعالى . وإن قيل بالثاني : فالأمر أفحش ؛ للزوم تغيّر
الذات المقدّسة - والعياذ بالله - بتغيّر الحوادث . مضافاً إلى صحّة تعليقها على
الشرط ، وقد عرفت فيما تقدّم أنّ ذلك من خصائص صفات الأفعال ؛ ولذلك
اختلفوا في كيفية اتّصافه تعالى بها وبضدّها ، وهي الكراهة فذهبت الأشاعرة
والحنابلة والجبائيان إلى كونهما صفتين قديمتين مغايرتين للذات المقدّسة ( 1 )
وفساد ذلك واضح للزوم تعدّد القدماء ، وستأتيك البراهين القطعية أيضاً من العقل
والنقل على استحالة ذلك ، وعلى انحصار القديم فيه سبحانه إن شاء الله تعالى .
وقال أبو عليّ وأبو هاشم وأتباعهما من المعتزلة : إنّهما وصفان حادثان لا في
محلّ ؛ حذراً من القول بوقوعه تعالى محلاّ للحوادث ( 2 ) .
وأنت خبير : بأنّ ذلك أفسد من صاحبه ؛ لوضوح استحالة تحقّق الوصف في
غير محلّ . مضافاً إلى لزوم الدور أو التسلسل في السبب المحدث لهما إن قيل بعدم
انتهائهما إلى القديم ، أو استلزام ذلك للقول بتعدّد القدماء إن قيل بانتهائهما إلى
قديم مغاير له تعالى . وقالت الكرامية من المعتزلة : إنّهما حادثتان في ذاته تعالى ،
فكأنّهما خصّتا من بين سائر العوارض بجواز عروضهما عليه سبحانه ( 3 ) .
وهذا كأخويه أيضاً واضح الفساد ، فإنّ استحالة عروض العوارض عليه تعالى
على ما ستسمع براهينها إن شاء الله تعالى حكم بات عقلي لا يقبل التخصيص .
وقال النجّار من الجمهور : إنّ حقيقة الوصفين أمر سلبي ، ومفادهما أنّه تعالى
غير مغلوب ولا مستكره في شيء من أفعاله ، وليسا أمرين وجوديين . وعليه
هامش
( 1 ) غاية المرام للآمدي : 60 ، اللمع للأشعري : 27 - 40 ، الإرشاد للجويني : 240 .
( 2 ) المغني للقاضي عبد الجبّار 6 : 14 .
( 3 ) نقله في غاية المرام : 52 .