شرح
بجميع وجوه الغائب لشهود جميع الغائبات عنده كالحواضر ، فلا مانع من إطلاق
اللفظين عليه ؛ لإحاطته بجميع الكائنات الماضية والحاضرة والمستقبلة إحاطةً
كاملة على حدّ سواء ، فإنّه سبحانه لا يشذّ عن علمه شيء منها كلياتها وجزئياتها ،
فيكون معنى اللفظين في الحقيقة عند إطلاقهما عليه تعالى هو إحاطته بالمبصر
والمسموع ، وذلك مرادف لمعنى العلم .
ويشهد لذلك : ما صحّ في المأثور من أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يبصر من خلفه كما
كان يبصر من أمامه ( 1 ) وأنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يسمع أصوات الجلساء حول فراشه حال
منامه كما كان يسمعها حال يقظته ، فإنّ الظاهر المقطوع به أنّ المراد بذلك هو
إحاطته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بما خلفه على نحو إحاطته بما هو أمامه ( 2 ) . وذلك لضرورة أنّه لم
يكن يرى ما خلفه بعينيه المبصرتين في وجهه . وكذا في سماعه الأصوات . والله
العالم بحقيقة الحال .
وهذه نهاية الكلام في الصفة الثانية الّتي اختصّت من بين الصفات الذاتية
بالذكر والإثبات في كلام أهل الفنّ نقضاً لشبهات المخالفين فيها .
ثالثها : صفة إرادته سبحانه
ولا شبهة في اتّصافه تعالى في الكتاب والسنّة بالمريد ، وقد وقع الخلاف
الشديد بينهم في أنّها هل هي صفة حادثة فيه تعالى ، أو أنّها صفة قديمة ذاتية له .
وكلّ منها لا يخلو من محذور ، فإنّه إن قيل بالأوّل لزم وقوعه تعالى محلاّ
للحوادث ، حيث إنّه لا شبهة في كونها هي العلّة الوحيدة لوقوع الحوادث خارجاً
دون نفس الذات وما يتّحد معها من الصفات القديمة العينية ، وإلاّ لزم قدم جميع
الحوادث بعد معلومية لزوم التقارن بين العلّة والمعلول ، فلا جرم لا يكون شيء من
هامش
( 1 ) الخرائج والجرائح 2 : 507 ، قصص الأنبياء للفيروزي : 313 ، بحارالأنوار 16 : 34 ، 176 ، 399
وج 7 : 299 ح 10 ، صحيح ابن حبّان 14 : 250 ، فتح الباري 1 : 164 ، مسند الحميدي 2 : 427 .
( 2 ) الخرائج والجرائح 2 : 507 ، بحار الأنوار 17 : 299 ح 10 .