فليت شعري كيف غير العالم * يكون مبدعاً لهذا العالم
شرح
ثمّ ترى الرجلين مثالا عن الفلك الجارية والبهائم الحاملة .
ومجرى البول مثالا عن الأنهار .
والقلب باعتبار سعته للأفكار ، وكونه مجمعاً لمختلف الأحوال من الرقّة
والقساوة ، والجبن والشجاعة ، والحزن والفرح ، ونظائرها مثالا عن العرش الواسع
المحيط بالكائنات العلوية والسفلية .
والجلد المحيط بالبدن مثالا عن الفلك المحيط بما فيه .
والدمعة المالحة الحافظة للعين عن الفساد والعفونة مثالا عن ماء البحر ،
والريق الحلو العذب في الفم لإساغة الطعام والشراب مثالا عن مياه الأنهار العذبة .
والنفس لإدراكها الأُمور الكلّية ثمّ عدم إمكان مشاهدتها بالعين الباصرة ثمّ سرعة
سيرها كالبرق الخاطف وقت غلبة النوم مثالا عن الأجساد الخفيفة ، كالجنّ والملك .
بل يمكن أن يقال : إنّها باعتبار حياتها الأبدية وعدم فنائها حتّى في عالم
البرزخ ، ثمّ باعتبار استغنائها عن الحيّز والمكان ، ثمّ باعتبار خلقها الصور الذهنية
وقيمومتها عليها ، ثمّ باعتبار عدم إمكان معرفة كنهها وماهيّتها ، ثمّ باعتبار عدم
اتّصافها بعوارض الأجسام كالألوان والأبعاد الثلاثة والثقل والخفّة وأمثالها مثال
عن الحي القيّوم ، والدائم الّذي لا يزول جلّ وعلا .
وبالجملة فالإنسان مجموعة نماذج عن جميع الموجودات ، وإلى ذلك يشير
مولى الموالي أمير المؤمنين بقوله ( عليه السلام ) :
أتزعم أنّك جرم صغير * وفيك انطوى العالم الأكبر ( 1 )
وعليه فيكفيك التعمّق في خلقة الإنسان عن تكلّف الرجوع إلى أيّ دليل
وبرهان ، لإثبات العلم الكامل لخالق الأكوان .
وحينئذ « فليت شعري » ما يقول الجاحد المنكر لعلمه تعالى « كيف » يحتمل
هامش
( 1 ) ديوان الإمام عليّ ( عليه السلام ) : 56 طبعة دار الكتاب الحديث .