ناهيك منها خلقة الإنسان * وما انطوى فيه من البيان
أنموذج للعالم الأكبر لا * يشذّ عنه ما عليه اشتملا
شرح
كما قال عزّ من قائل : ( إنَّ في خلق السَّموات والأرض واختلف الليل
والنهار والفلك الَّتي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل اللَّه من السماء من
ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبثَّ فيها من كلّ دآبَّة وتصريف الريح والسحاب
المسخَّر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ) ( 1 ) فكلّ ذلك أقوى دليل
وأعظم برهان على عظم خالقها ، وعلوّ شأن مدبّرها ، وثبوت أقصى مراتب العلم
والحكمة لمنشئها .
« ناهيك » أي يغنيك للعبرة « منها خلقة الإنسان » الجامع للجهتين
المتقابلتين ، وهما القوّة القدسية الملكوتية ، والقوّة الشهوية الحيوانية ، فإنّه أعظم
عبرة لما ركّب فيه من أُمور متضادّة « وما انطوى فيه من البيان » والنطق ، وأنّه
« أنموذج للعالم الأكبر » الحاوي للعلويّات والسفليات .
ولا ترى في الكون شيئاً إلاّ وترى نموذجاً منه فيه بحيث « لا يشذّ »
ولا ينقص « عنه » شيء من كلّ ما حواه العالم و « ما عليه اشتملا » .
فلو تأمّلت لوجدت كلّ عضو من أعضائه وجوارحه وجوانحه مثالا عن شيء
ممّا في الكون .
فترى الرأس مثالا عن السماء المرتفع ، والعينين مثالا عن النيرين ، والشعر
النابت مثالا عن نبات الأرض ، والريق مثالا عن عيونها ، ورشحاته مثالا عن
قطرات السحاب ، وما يسيل من المنافذ مثالا عن عيون الأرض ، واليدين مثالا عن
جناحي الطير ، وهما سندان مريحان حال المشي ، وسلاح المحارب ، وعمودان
عند جمع الأصابع ، وإناءان عند بسطهما ، وآلتان للشغل وواقيان عن تحطّم الجسد
عند السقوط من شاهق ، وكشكول حاجة ، وتذلّل عند الدعاء والابتهال إليه تعالى .
هامش
( 1 ) البقرة : 164 .