وإن لم يحصل لنا الجزم بصدقه في الجميع . الثالث قوله تعالى « إِنَّما يَتَقَبَّلُ الله مِنَ الْمُتَّقِينَ ، » وقوله تعالى « وما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِالله وبِرَسُولِهِ » ، وغير ذلك من الآيات ، وقيل في تقريبها ان أول التقوى الإسلام ، ومن ليس بمسلم فليس العمل منه مقبولا ، وما لا يكون مقبولا فليس بصحيح ، وما يتخيل ان القبول غير الصحة فهو من البطلان بمكان ، لأن الصحة عبارة عن موافقة الأمر ، وكيف يعقل موافقة الأمر من دون ثواب ، فان الثواب لازم عقلا لذلك لا يمكن تخلفه في الحكمة انتهى ، ولا يخفى ما فيه ، فان اعتبار التقوى في صحة العبادة مستلزم للقول ببطلان عبادة الفاسق لا سيما المتجاهر منه ، وهو كما ترى لأنه يعتبر في التقوى الخلو من الفسق ، وخصوصا التظاهر به ، مع أنه لم يشترط أحد في صحتها الخلو من الفسق قطعا ، ويدل على أخصية التقوى من الايمان ما ذكره بعض الاعلام ، حيث يقول وأقل درجات الخوف بما يظهر أثره في الأعمال أن يمنع عن المحظورات ، ويسمى الكف الحاصل عن المحظورات ورعا فان زادت قوته كف عما يتطرق إليه إمكان التحريم فيكف أيضا عما لا يتيقن تحريمه ، ويسمى ذلك تقوى إذ التقوى ان يترك ما يريبه إلى ما لا يريبه وقد يحمله على أن يترك مالا بأس به مخافة ما به بأس وهو الصدق في التقوى ، فإذا انضم إليه التجرد للخدمة فصار لا يبنى مالا يسكنه ، ولا يجمع مالا يأكله ، ولا يلتفت إلى دنيا يعلم أنها تفارقه ، ولا يصرف إلى غير اللَّه تعالى نفسا من أنفاسه فهو الصدق ، وصاحبه جدير بان يسمى صديقا ، ويدخل في الصدق التقوى ، ويدخل في التقوى الورع ويدخل في الورع العفة فإنها عبارة عن الامتناع عن مقتضى الشهوات خاصة ، فإن الخوف يؤثر في الجوارح بالكف والاقدام ، ويتجدد له بسبب الكف اسم العفة وهي كف عن مقتضى الشهوة ، وأعلى منه الورع فإنه أعم لأنه كف عن كل محظور ، وأعلى منه التقوى ، فإنه اسم للكف عن المحظور والشبهة ، وورائه اسم الصديق والصديق والمقرب انتهى ، فالتقوى أخص من الايمان بمراتب كما لا يخفى ، وأما ما ذكره من بطلان مغايرة القبول مع الصحة ففيه ان الحق مغايرتهما لأن الصحة بمعنى موافقة الأمر الموجب لسقوط الإعادة
مصباح الهدى في شرح عروة الوثقى — صفحة 320
مساهمون: الشيخ محمد تقي الآملي
ص٣٢٠