وبما ذكرنا ظهر فساد الاستدلال بعدم تكليف الكفار بالفروع بأنه لو كلفوا بالفروع لوجب عليهم القضاء مع أنه يسقط عنهم القضاء بالإسلام كما في الصلاة والزكاة والفطرة ، وجه الفساد إنهم مكلفون بالقضاء كتكليفهم بالأداء الا انه يسقط عنهم القضاء بالإسلام ، ولا منافاة بين ثبوته عليهم في حال الكفر ، وسقوطه عنهم بالإسلام لثبوت الثمرة في عقابهم على تركه مع ترك الإسلام ، مع أنه يمكن ان يقال بعدم الملازمة بين تكليفهم بالفروع ، وبين وجوب القضاء عليهم ، إذ هو بالأمر الجديد الذي يمكن دعوى عدم شمول خطابه لهم ، ( الوجه الثاني ) انه لو سلم انحصار فائدة التكليف بما ذكرت في الجواب عن الوجه الأول من ترتب العقاب على مخالفته الناشئة من اختيار البقاء على الكفر نقول إن مثل هذا التكليف لا يصح ، لأنه ضرر على المكلف ، مع أن من شرائط حسنه انتفاء المفسدة بالنسبة إليه ، وتكليف الكافر مفسدة له لأنه لا يترتب عليه الا العقوبة في الآخرة ، والجواب عنه ان هذه المفسدة للكافر لم يحصل من التكليف بل انما حصل من سوء اختياره ، والمفسدة التي يشترط عدمها في حسن التكليف هي المفسدة الحاصلة من التكليف نفسه . ( الوجه الثالث ) انه لو كلف الكافر بالفروع للزم التكليف بما لا يطاق ، لأنهم جاهلون بهذه الأوامر والنواهي ، وتكليف الجاهل قبيح ، وهذا الوجه مما حكى عن صاحب الحدائق ( وأجيب عنه ) بأنه لو كان تكليف الجاهل ممتنعا للزم ارتفاعه عن المسلم أيضا ، ودعوى ان المسلم لمكان إسلامه يعلم الاحكام إجمالا وهو كاف في صحة المؤاخذة عليه ولو كان جاهلا تفصيلا حين العمل ، مدفوعة بإمكان فرض مثله في الكافر أيضا إذا كان عالما بدين الإسلام ، وعلم احكامه إجمالا ، وقد يقال باستحالة تخصيص التكليف بالعالمين به لاستلزامه الدور وهو ممنوع ، لان تخصيصه بالعالمين به وإن كان بالخطاب الأولى مستحيلا لاستحالة إطلاق الخطاب بالإطلاق اللحاظي للعالم والجاهل به الا ان تقييده بالعالمين به بخطاب أخر بنتيجة التقييد بمكان من الإمكان ، وقد استوفينا البحث عن ذلك في الأصول ، لكن إذا كان التقييد بالعالمين به معقولا بنتيجة التقييد كان إطلاقه للعالم والجاهل أيضا
مصباح الهدى في شرح عروة الوثقى — صفحة 318
مساهمون: الشيخ محمد تقي الآملي
ص٣١٨