تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥

أكلة شعبية

وفي يوم كان هو يوم نوبتي في عمل الطعام ، عكفت فيه على تدوين موضوع من أهم المواضيع التاريخية ، وكنت قد عثرت من اجله على مصادر قيمة عربية وفارسية . وبدأت الكتابة بعيد الظهر وانطلقت فيها كل الانطلاق ، واستمر العمل وقتا طويلا ، بدون ان أشعر بملل أو كلل لأهمية الموضوع وانشراحي الكامل للعمل فيه . فانساني ذلك انني لست كاتب دائرة معارف فقط ، بل انني ( طباخ ) أيضا وان عملي ليس على المكتب بين الأوراق والأقلام فحسب ، بل في [ المطبح ] المطبخ أيضا وبين القدور والمقالي . ونظرت في الساعة فإذا هي في وقت متأخر ، وتذكرت ان رفيقي سيحضر بعد قليل ومعدته متهياة للطعام ، ثم انني انا نفسي قد بدأت أشعر بالجوع ، فرميت القلم من يدي ، وألقيت الأوراق جانبا ، ونهضت مسرعا إلى المطبخ ، فحرت فيما يمكن ان اطبخه ، وما يمكن ان يخرج طعاما ناضجا في أقل وقت ممكن ، ففكرت في اللحم فاستبعدته لأن اللحم يحتاج إلى تقطيع وتشذيب واقتضاء وقت أطول وعمل أشق . والتفت فرأيت امامي ( باذنجانة ) من النوع المدور الكبير ، فعمدت إلى تقطيعها وأعددت المقلي وملأته بالزيت ووضعته على النار وأخذت ارمي فيه قطع الباذنجان فتئز ازيزها المعهود ، فيتطاير من المقلي على يدي ما يتطاير من رذاذ الزيت المغلي . ولم يكن الباذنجان المقلي وحده طعاما يبض الوجه امام الرفيق ، بل كان لا بد من شيء آخر يضاف اليه ، يمكن إيهامه به أنني أعددت طعاما مقبولا فعمدت إلى الأرز ووضعته في القدر على النار وقررت ان اخترع نوعا من الطعام غير معروف ، أوهم فيه الرفيق انه ( اكلة لبنانية ) شعبية ، وأني أردت ان أذيقه طعاما لبنانيا طريفا لم يعرفه وهو في لبنان . وبعد تفكير لم يطل كثيرا عمدت إلى قطع الباذنجان المقلي فوضعتها في قدر الأرز وأخذت اخبطها مع الأرز فتنخبط فيه فيخرج من ذلك مزيج عجيب ، الله وحده يعلم ما ذا سيكون طعمه . ولما أدركت انه نضج صببته في الأطباق ، فخرج لا هو بالمائع ميوعة الحساء ، ولا بالجامد جمود الأرز ، بل كان شيئا بين هذا وذاك . ولم اشا ان أذوقه ، بل تركت شرف تدشين آخر اختراع في الطعام للرفيق العزيز . ولكنني لا أنكر ان شكله ولونه اعجباني ، فقد كان شكله المدور في الأطباق المدورة ، ولونه المتشابك بين الابيضاض والاسمرار وشئ من الاحمرار ، شكلا لا ينقصه الجمال . أعجبني المنظر فشغلني عن التفكير في المخبر ، وعن ان العبرة في الطعام لا بمنظره بل بمخبره ، ولا بشكله بل بمذاقه . وكنت - عند انشغالي بالقلي - وأنا أبصر الزيت يغلي في المقلي ، وأبصر الباذنجان يتحول من ابيضاض ناصع إلى سمرة داكنة مؤطرة بالسواد الفاحم - كنت أحاول ان أروح عن نفسي فاحول في ذهني الموقف من موقف ( قلي الباذنجان ) إلى موقف شعري أبصر فيه واسمع انفجار فقاعات الزيت الممزوج بماء الباذنجان ، وأشاهد تحول الأشياء من لون إلى لون ، فاكد احساسي لأخلق من ذلك جوا شاعريا يعزيني بالوهم - عما أنا فيه . ولكن تطاير رذاذ فقاعات الزيت بنارها المحرقة على يدي كان يوقظني من الحلم الشاعري الموهوم . وان التحديق في قطع الباذنجان الآخذة في التحول من البياض إلى السمرة والخوف من أن تتحول هذه السمرة إلى اسوداد ، كان يردني إلى الحقيقة المريرة ! . وفي لحظة من اللحظات طافت على وجهي ابتسامة حزينة ، كأنها تقول : ان اليد التي كانت تكتب ما تكتب ، تقلي الآن الباذنجان . . . وان الذهن الذي كان يوحي ما يوحي ، ضائع الآن بين التأكد من نضج الباذنجان وعدم نضجه ، والخوف من زيادة هذا النضج إلى حد الاحتراق ! . . . وجاء الرفيق العزيز ، وإذا قست الأمر على نفسي فهو الآن جائع ، لأنني انا الآن في حالة جوع عارم . وفي الحال وضعت طبقين من ( الأكلة اللبنانية الشعبية ) ، واحدا امامي وواحدا أمامه . وإذا كان الإخوان المصريون يمهدون لأكلاتهم الجيدة قائلين : ستأكل أصابعك وراها ، فاني في اعماق نفسي كنت أحس بان صاحبي سيعض أصابعه ندما على أن جعلني اليوم طباخه ! . ومهدت للأمر بمقدمة تناسب الحال ، تحدثت فيها عن الأكلات الشعبية ، وان لكل بلد خصائصه في ذلك ، فما يعجب الآكل في هذا البلد ، قد لا يعجب الآكل في بلد آخر . قلت ذلك خوفا من ردة الفعل عند الرفيق . وشرحت حرصي على أذاقته من الطعام ما لم يذقه ابدا ، محاولا التباهي بذلك . وكنت متكلا - في نفسي - على ما هو عليه من الجوع ، فإذا كان الطعام غير جيد ، فالجوع الذي هو فيه سيلهيه عن عدم جودة الطعام ، فيلتهمه غير مبال . وأخذ اللقمة الأولى ووضعها في فمه ، وأكون مبالغا إذا قلت إنه كان على وشك ان يتقيا ، وانا لا أحب المبالغة في الوصف . ولذلك أقول : انه لم يكد يجيل اللقمة في فمه الجولة الأولى حتى قام في الحال فلفظ ما في فمه في سلة الزبالة ، لاعنا الأكلات الشعبية لا في لبنان وحده بل في العالم كله .

ضيوف آخرون

في تلك الأيام التي كنت أتناوب فيها وصاحبي الإيراني صنع الطعام ، وأنام في منزله على فراش رقيق على الأرض الصلدة ، وأقدم له تلك الأكلات الشعبية ، متحملا ذلك في سبيل إخراج الموسوعات التي فيها ما فيها من تسجيل مفاخر للبلد الذي انزل فيه . في تلك الأيام كان ذلك البلد يستضيف لبنانيين آخرين فينيمهم لا على الأرض الصلدة في المنزل المتواضع ، بل في الأسرة الفاخرة على الفرش الوثيرة في الفنادق المترفة ، ويطعمهم لا الأكلات الشعبية الباذنجانية بل الأكلات الشعبية ( الفسنجونية ) ( 1 ) لأن أولئك يتقنون التبخير ويتفوقون في التطبيل والتزمير . وهم لطول ما أكلوا على شتى

هامش
( 1 ) الفسنجون طعام إيراني فاخر .