تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
الموائد يعرفون - كما يقول المثل العربي - يعرفون من اين تؤكل الكتف . . . ونحن لا نعرف حتى كيف يؤكل الباذنجان ! .

محني الظهر مطاطئ الرأس

كنت في أحد الأيام على موعد للقاء أحد مقتني المكتبات في منزله ، وذلك لمراجعة ما قيل لي من أن في مكتبته الكثير من المصادر المفيدة ، فخرجت مع الرفيق العزيز إلى أحد مواقف الحافلات ( الأوتوبيسات ) لنمتطي أحدها إلى المنزل المقصود . والانتقال داخل طهران مشكلة من المشاكل المضنية ، فلاتساع العاصمة وكثرة سكانها وتباعد أطرافها ، كان التنقل داخلها مضنيا ، فهذا التنقل محصور بواسطتين : الحافلات ، أو التكسيات . اما الأولى فهي دائما مزدحمة ، وللحصول على مكان فيها لا بد من أن يقف الناس في صفوف طويلة قد يبتعد مداها أحيانا ابتعادا اي ابتعاد . هذا في مواقفها الرئيسة التي تنطلق منها انطلاقها الأول . اما في مواقفها في طرق سيرها في الشوارع ففي كثير من الأحوال لا يفيدك الوقوف في الصفوف ولا التكتل غير المنتظم ، لأن الحافلة تمر ممتلئة امتلاء لا خلاء فيه لموضع قدم ، فإذا لم يكن أحد يريد النزول منها فإنها لا تقف ، لأنه لا فائدة من وقوفها ما دام يتعذر الصعود إليها في أكثر الأحيان اما ( التكسيات ) فإنه مع وجود العدادات فيها ، فإنه لا فائدة من استعمال العدادات ، ولا فائدة في أكثر الأحيان من ايقافها لأنها دائما تنقل أشخاصا مختلفي المقاصد ، فهي تمر دائما مملوءة ، فإذا مر أحدها وفيه فراغ فعليك ان تعين له الجهة التي تقصدها فإذا كانت على طريقه أخذك والا تركك . ويندر جدا ان تجد ( تكسيا ) فارغا فتحدد له الجهة التي تقصدها فينقلك إليها . فلذلك أنشئت مكاتب لشركات تنفق كل واحدة منها مع مجموع سيارات تقف في مكاتبها ، لتنتظر من يهاتفها ويعين لها عنوانه فتذهب السيارة اليه وتنقله إلى حيث يريد . وأجور هذه السيارات أجور باهظة لا يستطيع كل أحد تحملها . وكنت أحيانا اضطر لاستئجار واحدة منها ، وذلك عندما كنت أريد السفر إلى احدى المدن وأكون مضطرا للوصول إلى أماكن تجمع حافلات نقل الركاب إلى المدن ، وهي تجمعات في أطراف طهران البعيدة . فكان صاحب المكان الذي أكون فيه يهاتف شركة من الشركات القريبة فيرسل لنا سيارة لتوصلني إلى مكان تجمع حافلات المدينة التي اقصدها . وأجور هذه السيارات لا مساومة فيها ولا تحديد لها فهي متروكة لتقدير السائق ، وعليك ان لا تعترض أي اعتراض . والأجور التي يفرضها السائق إنما يفرضها على أنها موزعة بينه وبين الشركة ، وعلى أساس انه سيعود بسيارته فارغة . ومن هنا كانت أجورها الباهظة . وفي احدى المرات دفعت لسيارة أوصلتني من المنزل الذي كنت فيه إلى تجمع حافلات مدينة قم سبعين تومانا ، في حين ان ما دفعته للوصول من طهران إلى قم كان سبعة توأمين . وقفت مع الرفيق العزيز في موقف الحافلات في الشارع على أمل ان تقف حافلة فنجد فيها مكانا أو يمر ( تكسي ) فنجد فيه مكانا ، ولكن الحافلات كانت تمر مملوءة ، و ( التكسيات ) تجتاز مشحونة والساعة تتقدم عقاربها نحو وقت الموعد مسرعة ، وأخذ هذا الوقت يزاحمنا . وفجاة لمحت حافلة من الحافلات الأهلية الأصغر حجما من الحافلات الحكومية ولمحت فيها فراغا يتسع لوقوف اثنين فاهبت برفيقي لايقافها والصعود إليها ، فكان ذلك ، وصعدنا وانحشرنا بين المنحشرين ، فإذا بهذه الحافلة الأهلية كمعظم مثيلاتها واطئة السقف بحيث لا يستطيع الواقف ان يقف فيها الا وهو محني الظهر مطاطئ الرأس . وكان المكان الذي نقصده بعيدا ، وهكذا وقفنا كغيرنا من الواقفين وقفنا هذه . ومن أعجب الأعاجيب ان تصنع مثل هذه الحافلات بسقوف واطئة ، مع اليقين انها ستحتوي دائما مجموعة من الواقفين . وبينما كانت الحافلة تسير ونحن في وقفتنا الصعبة ، طغت على وجهي نفس الابتسامة الحزينة التي طغت عليه وانا اقلي الباذنجان ، وكأنها تقول : هكذا يتنقل المؤرخ وهو يسعى لتسجيل أمجاد شعب هذه العاصمة ، هكذا يتنقل في شوارعها محني الظهر مطاطئ الرأس ! . .

مؤتمر الشيخ المفيد

تلقيت دعوة لحضور مؤتمر علمي يعقد في مدينة ( قم ) احتفالا بمرور ألف عام على وفاة الرجل الكبير الذي اشتهر بلقبه العلمي ( الشيخ المفيد ) وفي اليوم الخامس عشر من شهر نيسان سنة 1993 كنا نأخذ السيارات من بيروت إلى دمشق ومنها نأخذ الطائرة إلى طهران . ووصلنا ليلا إلى مطار طهران وانتقلنا منه في السيارات إلى ( قم ) وقضينا الليل في الفندق المعد لنزولنا مع بقية المدعوين من الأقطار الأخرى . وقد كان هذا المؤتمر التجربة الأولى لرجال الحوزة العلمية في قم ، إذ ان القائمين به هم من أطلقوا على أنفسهم اسم ( جماعة المدرسين ) ، والمقصود بالمدرسين : مدرسو الحوزة . وقد أثبت المشرفون على أعداد المؤتمر وتنظيمه وإدارته جدارة عالية في هذا الأمر ، وبرهنوا على أنهم اكفياء للقيام بمثل هذه المهمات التي لا عهد لهم بها من قبل . وكان المؤتمر - بفضل جهودهم - ناجحا ، سواء بالإقبال على حضوره أو فيما كتب له من بحوث ما القي منها على الحاضرين وما لم يلق . وفي الوقت الذي دعيت فيه إلى المساهمة في مؤتمر الشيخ المفيد في قم ، أنبئت اننا مدعوون أيضا إلى مؤتمر تذكاري لعالم الفلسفة الإسلامية الشهير الشيخ هادي السبزواري . وقد انبئنا بذلك قبل يوم واحد من موعد السفر من بيروت . لذلك لم يكن مستطاعا أعداد دراسة عن السبزواري . ولكنني مع ذلك صممت على تلبية الدعوة لأن لسبزوار في ذهني صورا تاريخية زاهية ، ويكفي في ذلك ان منها انبثقت حركة ( السربداريين ) في قرية غير بعيدة عن المدينة نفسها ، هذا فضلا عما يتيحه لي حضور المؤتمر من لقاءات ومشاهدات فيها الكثير من الفائدة . ومضوا بنا بعد انفراط عقد مؤتمر الشيخ المفيد - مضوا بنا من قم إلى