تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 377

مساهمون:

ص٣٧٧
طهران حيث قضينا يوما وليلة فيها ، وفي أصيل اليوم الثاني انتقلنا في الطائرة من طهران إلى مشهد ، فلم نبرح مطارها ، بل مضينا في الساعة السابعة مساء في يوم 22 نيسان 1993 في السيارة قاصدين مدينة سبزوار ، مصحوبين بالسبزواريين الذين انتدبوا لاستقبالنا في المطار . وكان الذين لبوا دعوة مؤتمر سبزوار من غير الإيرانيين قليلين لا يجاوزون بضعة أشخاص بينهم السيد ( شجير وكامادا ) أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة طوكيو . سرنا في جادة عريضة لها اتجاهان في السير يفصل بينهما وسط مخضوضر ، وعلى جانبيها شواهق البناء ، ووراء الشواهق البساتين النضيرة . كنا نسير في مدينة مشهد في جادة من جوادها المتمادية في العرض والطول ، ولم نلبث ان تركنا الجادة منحرفين إلى اليسار في طريق ضيق تمتد فيه الأشجار ووراءها البساتين ثم انحرفنا إلى اليسار أيضا ولكن في طريق عريض تتكاثف الأشجار على ضفتيه ، وتمثل هذه الأشجار طلائع للبساتين التي وراءها . ولم يلبث الشجر ان توارى وصارت الأرض جرداء تتخللها البيوت المبثوثة هنا وهناك وهنالك ، ثم امتدت إلى يسارنا تلال ترابية لها أشكال الأهرام . ثم انقطع العمران وصرنا في سهول مديدة أكسبها فصل الربيع خضرة يانعة ، على أنها ليست سهولا منبسطة تمام الانبساط ، بل فيها ما يرتفع وفيها ما ينخفض . ترتفع في أكثرها وتنبسط في أقلها ، لا سيما على جانبي الطريق حيث تصبح تلألأ متتابعة . ثم بدأ الظلام يرخي سدوله ، وأخذت بعض الأنوار تلتمع في السهل الواسع ، هي أنوار معامل وأنوار سيارات ، وقل العمران ، ثم انعدم كل الانعدام . أنها سهول زراعية مديدة لامكان فيها لغير النبات ، فلا قرى ولا دساكر ولا مزارع ولا سكان ، وهذا يبدو جليا مما يرين عليها من ظلمة داجية لا تلمح خلالها بصيصا من النور . اللهم إلا الأنوار المتماوجة بيضاء في مصابيح السيارات القادمة وحمراء في مصابيح الذاهبة . ولم نلبث ان لمعت إلى يسارنا أنوار متكاثفة بعيدة علمنا أنها أنوار قرية ( جمال ده ) ، ثم تلتها أنوار قرية أخرى . ثم إلى يميننا قرية ( فخر داود ) . أننا منذ خروجنا من مطار ( مشهد ) نمشي في سهول خراسان ونشق البراري التي تعاقب على شقها منذ صدر الإسلام من نحس الآن ذكراهم في مسيرنا الليلي الداجي هذا . ومهما استغرقت في الحاضر وتطلعت إلى الآتي ، فإنك وأنت في ليل سهول خراسان ستراك مشدودا إلى الماضي ! . . لله ما يثير في النفس هذا الظلام الدامس تارة ، والموشى بالمصابيح تارة أخرى - لله ما يثير في النفس حين تعي انه الظلام الذي طالما جازته احداث هي من تاريخك في الصميم . ومضت السيارة توغل في الحاضر ، ومضيت معها أوغل في الغابر ! . . ثم طلعت إلى يسارنا أنوار قرية ( ديزباد ) السفلى وامامها أنوار ( ديزباد ) العليا ، ثم إلى يميننا أنوار ( عليآباد ) ، ثم تتابعت أنوار الدساكر والقرى . هذا الطريق الذي نسير فيه هو في الحقيقة طريق طهران . مشهد ، فنحن حين خرجنا من مشهد في هذا الطريق كنا نعود راجعين من حيث أتينا ، راجعين باتجاه طهران . ذلك لأن لامطار في ( سبزوار ) ، فمن أجل الوصول إليها لا بد أولا من تجاوزها بالطائرة وصولا إلى مشهد ، ثم العودة إليها بالسيارة من مشهد . بعد ان كانت الأنوار تبدو بعيدة عنا في عرض السهل ، رأينا الآن أنوار مزرعة قرب الطريق ثم أنوار استراحة يفيء إليها المسافرون المتعبون القادمون برا من طهران إلى مشهد . ثم تتابعت بعد أنوار قرية ( حاجيآباد ) الملاصقة للطريق - تتابعت أنوار القرى القريبة والبعيدة ، وتكاثرت بحيث قرب بعضها من بعض . وبعد حوالي الساعة كنا نخترق أول شارع من شوارع مدينة ( نيسابور ) ، فبدت أنوار نيسابور ممتدة على الجانبين . وظللنا نمشي في جادة طويلة عريضة مضاءة ، إلى أن انقطع نور الجادة ، وابتعدنا عن النور ، فبدا لنا اننا خرجنا من نيسابور . لقد خرجنا فعلا من نيسابور ، وما بات يلوح لنا من أنوار قريبة أو بعيدة انما هو أنوار الضواحي . . وفي هذه الساعة الليلية الخراسانية ، وفي هذا الطريق الحضاري المديد ، وفي هذا الزمن المنتمي إلى السنين الأخيرة من سني القرن العشرين . . . لم أستطع حيال هذه الأنوار التي تدنو حينا وتنأى حينا ، وتتكاثف مرة وتتفرد مرة ، لم أستطع الا ان أتمثل بالشعر العربي المنتزع من صميم البداوة ابتداء من الشعر الجاهلي فما بعده . هذا الشعر الذي كانت تشغله أنوار النيران المتفردة في أعراض السهول فيستلهمها أعذب الشعر وأرقه . لم أملك نفسي من أن انشد وانا مغمور بليل خراسان مندمج في سهول نيسابور . الا ان انشد الشعر العربي المستوحى من ليالي الجزيرة والمستلهم من فيافي الدهناء وسهوب الدحول وحومل الا ان انشد :
لمعت نارهم وقد عسعس الليل ومل الحادي وحار الدليل فتأملتها وفكري من البين عليل ولحظ عيني كليل وفؤادي ذاك الفؤاد المعنى وغرامي ذاك الغرام الدخيل ثم قابلتها وقلت لصحبي هذه النار نار ليلى فميلوا
على أن هذا النور لم يكن نور ( ليلاي ) لأقول لصحبي : هذا نورها فميلوا بي اليه ، فنور ( ليلاي ) هناك بعيد . . . بعيد . . . وهكذا ظللنا نمشي بين نور وظلام حتى كانت الساعة قد بلغت