بوشهري ومحمد علي وارسته في وزارتي الطرق والمالية . فمن المفروض ان وزارة المالية تتحمل دورا كبيرا في وزارة تحاول تاميم صناعة النفط ، لكن وزيرها - في وزارة مصدق - هو شخص تنقل بين وزارات حكيم الملك ومنصور وعلاء . . وكان الناس يتساءلون فيما بينهم عن السبب الذي دعا مصدق لاختبار بوشهري الذي يرتبط باواصر وثيقة مع بريطانيا . وقد تجاهل مصدق الانتقادات والتساؤلات بادئ الأمر ، إلا أنه عمد فيما بعد إلى تغيير حكومته ، وأدخل إليها وجوها جديدة ، من أمثال صديقي وملكي ونريمان وطالقاني .
وبالرغم من ذلك ، عرضت حكومة مصدق « قانون تاميم صناعة النفط » على المجلس ، فاقره المجلس ، وباشرت الحكومة بالتنفيذ . . . قامت في بريطانيا أزمة شديدة ، وبادر السير فرانسيس شپرد - الذي كان مشغولا بركوب الخيل مع الشاه وزوجته الجديدة - إلى مطالبة لشاه بعدم التوقيع على القرار . وحذر السيد ضياء الشاه من مغبة لعداء لبريطانيا . . ولكن الشاه كان لا يزال تحت تأثير وعد ووعيد السفير الأمريكي . . هذا من جانب ، ومن جانب آخر : لم يكن يرى في نفسه القدرة على مواجهة الشعب .
وهرع أنصار بريطانيا إلى أشرف الأخت التوأم للشاه ، التي حاكت العديد من المؤامرات ضد حكومتي رزم آرا وقوام على الرغم من الضغوط الأمريكية . . ولم تتوان أشرف عن الاستجابة لهم . ولكن مصدق لم ينظر إلى تحركاتها نظرة جدية ، وتجاهل - بالإضافة إلى ذلك - تحركات مجلس الشيوخ الإيراني ، في دورته الأولى .
وقبل أن يبلغ مصدق شركة النفط الإنجليزية بقرار التأميم ، أبلغ بالمؤامرات التي تحاك ضده ، فحمل سريره وكتبه وأدويته إلى المجلس وتحصن فيه ، وأعلن من هناك أنه سيبقى في المجلس - لعدم وجود الأمن - حتى نهاية مسألة النفط .
ثم انتخبت لجنة مشتركة من نواب المجلسين - مجلس الشورى ومجلس الشيوخ - لغرض الاشراف على تطبيق القانون القاضي برفع يد بريطانيا عن النفط . وقد انتخب المجلسان أشخاصا يرغب فيهم مصدق هم : شايگان ومعظمي ومكي واردلان والله يار صالح من مجلس الشورى وبيات ومتين دفتري وشفق وسروري ونجم الملك من مجلس الشيوخ .
وكانت ردة الفعل الأمريكية الأولى على القرار ، خدعة في الحقيقة لكونها كانت تتعرض آنذاك لضغوط بريطانية شديدة . فقد طلب ترومن من مصدق في رسالة بعث بها اليه أن لا يقدم على عمل من جانب واحد وأكد له : « ان الشركات الأمريكية المجهزة باحدث الأجهزة وأكثرها تطورا لا ترغب في التعاون مع إيران ، لقيامها بخطوة من جانب واحد » ، ولكن السفير الأمريكي أكد لمصدق - في اجتماع خاص - الدعم الأمريكي لما يقوم به .
وفي لندن وواشنطن كانت تجري مباحثات مركزة وأحيانا حادة بين كبار الأخصائيين الأمريكان والإنجليز في شؤون النفط . وكان ترومن يقصد برسالته أن يظهر لخليفة الأوروبي بأنه ليس عازما على إخراجه من الساحة بالقوة . ولكنه كان في الواقع يحاول انتهاز فرصة وجود مصدق على رأس الحكومة في الحصول على أكبر امتيازات ممكنة . . . ولم تكن تلك المباحثات هي الأولى بين الدولتين في هذا المجال . فقد حدث كثيرا أن اضطرت بريطانيا إلى التخلي عن بعض المناطق الخاضعة لها إرضاء للرأسماليين الأمريكيين . . وكان ذلك ضريبة تدفعها إلى القوة العظمى الجديدة منذ أن أصبحت هي قوة من الدرجة الثانية . . ولكنها كانت توحي إلى أمريكا - كلما أثارت قضية النفط الإيراني - انها إذا كانت قد تخلت عن نفط السعودية والبحرين والكويت فإنها لن تتخلى عن النفط الإيراني .
وقد أتى جواب مصدق الجدي لأمريكا ، مخالفا لتوقعات ترومن ، إلا أنه كان مناسبا لصد الحملات الدعائية التي كان رجال البلاط وحزب توده يروجون لها ، ومفادها أن مصدق عميل لأمريكا . وكان هؤلاء لا يرغبون في أن ينفتح مصدق على العالم ، خلافا لما كان عليه السيد الكاشاني .
وكانت أنظار العالم مشدودة إلى طهران في ربيع عام 1951 م . لا سيما الدول التي كانت في صراع مع الاستعمار ، أو نالت استقلالها ولا زالت تصارع الآثار التي خلفتها أيام الاستعمار .
وقدمت بريطانيا شكوى إلى محكمة لاهاي الدولية ، وبعثت بوفد رفيع المستوي إلى طهران ، وتزامنا مع وصول الوفد بعث مصدق بالهيئة المشتركة من المجلسين إلى خوزستان للاشراف على تنفيذ القرار ، في سبيل أن يثبت عدم استعداده للتفاوض حول أصل التأميم . . وكان الوضع حرجا فاكد مصدق على أعضاء الهيئة أن يتجهنوا كل ما يعطي الذريعة لبريطانيا .
وكانت بيانات السيد الكاشاني مثمرة ، فنشط موظفو وعمال صناعة النفط وأهالي خوزستان في إحباط جميع المؤامرات . وقد بلغت حماسة الناس وعداؤهم للمتسلطين الأجانب حدا أن لم يجد رجال البلاط بدا من ضم صوتهم إلى صوت الشعب .
وارتفع علم إيراني على أكبر مصفاة نفط في العام دون أية حادثة .
وفي آخر يوم من فصل الربيع ، أعلن مصدق خبر تاميم النفط عبر المذياع ، بعد فشل المباحثات التي دارت بينه وبين الوفد الإنجليزي وعودة الأخير إلى بلاده دون نتيجة . وانتخب اللجنة المؤقتة المشرفة على إدارة النفط المهندس مهدي بازرگان رئيسا لها بعد أن رفض الدكتور محمود حسابي رئاستها . وبازرگان هو أحد أعضاء البعثة الطلابية الأولى التي ذهبت إلى أوروبا في زمن رضا شاه . وقد بقي هذا الطالب محافظا على التزاماته الدينية على الدوام . وما أن حل اليوم التالي حتى أنس عمال صناعة النفط وأهالي خوزستان بحديث هذا المهندس الهادئ الذي اعتاد أن يبدأ حديثه بآية من القرآن .
وتحرك الشعب . . ! وباشرت بريطانيا بتدبير المؤامرات بمساعدة رجال البلاط ، في الوقت الذي حرصت أمريكا على التظاهر بالحياد في هذه المواجهة الحادة . واستطاعت بريطانيا أن تخضع لمراقبتها جميع الأمريكيين ورجال الدولة وأعضاء الجبهة الوطنية مستعينة في ذلك بعملائها . وكان الهدف الأول للمراقبة هو الأمريكي تورنبرك ، الذي شغل - لسنين طوال - منصب مستشار شؤون النفط في وزارة الخارجية الأمريكية ، ومدير عدة شركات نفط كبرى في أمريكا ، وكان
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 307
مساهمون: حسن الأمين
ص٣٠٧