تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
ولذلك كانت أهمية النفط تزداد يوما بعد يوم وكانت عيون المستعمرين في العالم تتجه إلى النفط الإيراني . ومع سقوط دكتاتورية رضا شاه أخذت الاعتراضات من قبل الشعب مجرى آخر ، وبدأت صرخات الحرية تنطلق على الاستعمار من فم الدكتور مصدق في المجلس الرابع عشر . وبدأ الدكتور مصدق بتحدي الأعمال الاستغلالية والنفوذ الاستعماري داخل المجلس . وفي اليوم الحادي عشر من كانون الأول 1944 استطاع مصدق أن يحصل في المجلس على تصديق قانون منع إعطاء الأجانب الامتيازات النفطية داخل إيران . ويوما بعد يوم كانت حركة تحرير المنابع النفطية تزداد داخل المجلس وكان المستعمرون يحاولون كل يوم أن يقعموا هذه الحركة . ومع تنامي هذه النهضة داخل المجلس ، صادق المجلس على قانون يتضمن بان على الحكومة أن تجري استفتاء على جميع الأعمال التي تؤثر على الحقوق الوطنية للشعب كالنفط وغيره من الثروات الوطنية . وبتوسع النهضة الشعبية في وجه الاستعمار مع بدء الانتخابات للدورة السادسة عشرة للمجلس ، بدأ مصدق نضالا جديدا فإنه وأعوانه أخذوا يعترضون على سير الانتخابات للدورة السادسة عشرة ولهذا السبب بدأ الاضراب عن الطعام في تشرين الأول 1949 . وبعد إلغاء الانتخابات الأولى جرت انتخابات ثانية في آذار 1949 ومن هذه الانتخابات دخل مصدق وأعوانه إلى المجلس . وفي هذه الدورة شكلت لجنة المراقبة على قوانين النفط وترأسها مصدق نفسه . ولمقاومة ما يجري عملت الإمبريالية البريطانية وعملاؤها في الداخل على اختيار ( رزم آرا ) رئيسا للوزراء وكان أملهم برئيس الوزراء الجديد أن يساعدهم على انهاء قضية المعاهدة الملحقة بمعاهدة النفط البريطانية التي كان يقوم بها الوطنيون وعلى رأسهم مصدق . وبعد الدراسة والتحقيق اللذين أجرتهما لجنة مراقبة قوانين النفط على هذه المعاهدة الالحاقية أعلنت معارضتها ورفضها لهذه المعاهدة وبسبب هذه المعارضة طرحت قضية تاميم النفط من قبل النواب الوطنيين في المجلس وبعد ما رأى رزم آرا رئيس الوزراء الجديد المعارضة الشديدة من النواب الوطنيين وعلى رأسهم مصدق وكذلك المعارضة الشعبية ولأجل إيقاف البحث في موضوع تاميم النفط داخل المجلس عمل على سحب المعاهدة الملحقة ووعد بمشروع جديد يحفظ حقوق الشعب والثروة النفطية وهذا المشروع كان يقرر تقسيم العوائد النفطية بنسبة مناصفة بين الدولة وبين شركة النفط البريطانية وكانت قضية تاميم النفط على لسان كل إيراني وكان هذا يعطي قدرة أكبر للوطنيين للاستمرار في العمل لتحرير الثروة النفطية من أيدي المستعمرين البريطانيين . وفي اليوم السادس عشر من آذار 1950 اغتيل رئيس الوزراء رزم آرا على يد خليل طهماسبي فاختير حسين علاء خلقا له ، وكانت فترة رئاسة الأخير متزامنة - على قصرها - مع اضطرابات واضرابات عمال شركة النفط واحداث العنف التي وقعت في الشركة بين الإنجليز والإيرانيين . ولم تستمر فترة رئاسة أكثر من أربعين يوما ، حتى اضطر الشاه إلى القبول بالدكتور محمد مصدق رئيسا للوزراء لشعبيته الكبيرة بين الناس ولكونه من أبرز المعارضين في البرلمان . وقد أوصل النضال البرلماني مصدق إلى رئاسة الوزراء قبل أن توصله الطبقية الاجتماعية إلى ذلك ، حيث كان يمارس نشاطه السياسي ، طوال ثلاثين عاما ، بعيدا عن طبقة الوجهاء والأعيان . وكثيرا ما كانت نشاطاته وآراؤه الليبرالية تفرق بينه وبين رفاق دربه وأصحابه . وقد يسر له انتسابه إلى طبقة الأعيان الوصول إلى مناصب عليا في الدولة في سن التاسعة والعشرين من عمره - كما ذكرنا من قبل - حيث تنقل في حكم ثلاث ولايات هي خراسان وآذربيجان وفارس ، ثم أصبح وزيرا لعدة مرات قبل مجيء الحكم البهلوي . وانتخب عضوا في البرلمان لست دورات ، كان طوالها موضع تأييد الناس الذين لم يروا منه ما لا يرضيهم . وقد دعت مواقفة وتضحياته البعض إلى اتهامه بخداع الشعب ، على الرغم من كل ما عاناه من سنوات نفي ، واعتقال لمرتين في عهد رضا شاه . ولم يحدث مطلقا أن ناصر أو تعاون مع الشاه البهلوي ، خلافا للشخصيات الأخرى من أعيان القاجارية ، وقد خلق من نفسه شخصية كانت من أفضل وأطهر أفراد طبقة الأعيان . وكان يقف إلى جانب السيد حسن المدرس - في الدورة الرابعة للمجلس - في مخالفته للسلطة البهلوية . وقد أمضي فترة حكم رضا شاه بين نفي ومراقبة الشرطة . عكف فترة من الزمن على دراسة الأمور الحقوقية المتعلقة بامتياز نفط الجنوب ، وما لبث أن اتخذ من هذا الامتياز محورا لنشاطاته السياسية . ولم يمض على حوادث إيران وقت طويل ، حتى تمخصت عن ( مدرس ) آخر هو السيد أبو القاسم الكاشاني . وكان مصدق وثيق الصلة به منذ عودته من منفاه في لبنان . وإذا كان السيد الكاشاني قد رفض الانتساب إلى الجبهة الوطنية ، فقد كان مؤثرا في قرارتها أكثر من أي عضو آخر ، وكان - بالإضافة إلى ذلك - من أبرز المؤثرين في إيصال مصدق إلى رئاسة الوزراء . وكان اتحاد مصدق والكاشاني ، اتحادا على بريطانيا ، التي كانت مصالحها الاستعمارية أكبر عامل في منع إيران من تجاوز الواقع المتخلف الذي تعيشه . وقد كان مصدق يدرك أن بريطانيا هي المسئولة عن جميع المفاسد والمآسي المخيمة على البلاد في زمن ما بعد المشروطة . وفي رأيه أن الحضور الأمريكي في الساحة السياسية العالمية يمثل الوسيلة الأفضل بالنسبة لبلدان العالم الثالث للتخلص من نير الاستعمار والمعاهدات الاستعمارية ، ومن ثم كان ميالا - خطا - إلى الخط الأمريكي ومتفائلا به . وكان يرغب في استثمار النفط لرفع المستوي المعاشي للشعب وإيصال الإيرانيين إلى ركب التحضر العالمي . ومن جانب آخر كان السيد الكاشاني معاديا لبريطانيا ، فقد اشترك وأبوه في قتال الإنكليز في العراق . وقد دفعه عداؤه لبريطانيا - أثناء الحرب العامة الثانية إلى التنسيق مع مفتي فلسطين ، وإلى تأييد رشيد عالي الگيلاني . وكان ذلك مبررا لاعتقاله من القوات الإنجليزية المحتلة ، فكان حديثه الذي لا ينقطع هو مهاجمة بريطانيا المستعمرة . وبعد عودته من منفاه في لبنان ، اتخذ - بدفع من مصدق - من موضوع النفط ، منطلقا لنضال الحكومة الإنجليزية المستعمرة . فقد كان
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 305 | حسن الأمين