يرى أن النفط - إذا ما انتزع من الهيمنة البريطانية - ينبغي أن يستثمر في رفع المستوي المعاشي للشعب الإيراني ، ودعم المسلمين في قتال أعدائهم ، ومنهم إسرائيل .
وهكذا كان وصول مصدق إلى رئاسة الوزارة ، ثمرة لسعي وجهاد الاثنين معا ( مصدق والكاشاني ) . وقد أدركت بريطانيا بخبرتها أن أية محاولة للوقوف بوجه تاميم النفط الإيراني سيكتب لها الفشل ما لم يفرق بين هذين الرجلين . إذ كان السيد الكاشاني يتمتع بدعم الجماهير ، رغم أن الكثير من علماء الدين يرمونه بالتوغل في السياسة أكثر من الحد اللازم . وقد كانت الآلاف من مرتدي الأكفان يتوجهون لنصرة مصدق بإشارة منه . وأما مصدق فقد كان يتمتع بدعم جميع دعاة الحرية المستقلين من الشباب وطلاب الجامعات والمعلمين والمثقفين والطبقة المتوسطة . . وكان هؤلاء الأنصار وأولئك يجعلون من اتحاد الرجلين ( مصدق والكاشاني ) اتحادا قويا لا يهزم .
وفي اليوم التالي من تنصيبه رئيسا للوزراء ، ذهب مصدق إلى منزل السيد الكاشاني ، ولم يتجاوز في زيارته حدود المجاملات ولم يتحدث مع السيد الكاشاني حول أعضاء حكومته . ولم يطرح الكاشاني أسماء للحقائب الوزارية ، واكتفى بقول حسين مكي له : « بالتأكيد سيكون الوزراء ممن ترتضونهم ولكن اجتماع رؤساء الجبهة الوطنية ، عصر ذلك اليوم لم ينته بمثل تلك البساطة ، حيث كان عبد القدير آزاد يطالب بتشكيل » حكومة الجبهة الوطنية « وأن يكون لكل حزب من أعضاء الجبهة وزيران ، وقد برهن بمطالبته هذه أن مناصرته لمصدق لم تكن إلا لتوسم رئاسة الوزراء فيه ، وعند ما احتدم النقاش ، ترك عبد القدير آزاد الاجتماع ، وفي نفس الوقت ترك الجبهة الوطنية ، وانضم إلى صفوف معارضي الحكومة . وأعلن مصدق انه لن يكون عضوا في الجبهة الوطنية ، ما دام في منصب رئاسة الوزراء .
وكان الدكتور مصدق مطمئنا لمناصرة الشعب له ، ويدرك تماما أن السياسية الخارجية لأمريكا التي تقضي بانتزاع الهيمنة على البترول الإيراني من الحكومة الإنجليزية ، ستكون إلى جانبه . ومن ثم فهو غير مجبر على مراعاة آراء هذا الشخص أو ذاك ، وأما مراعاته للسيد الكاشاني فقد كانت استثناء في هذا المجال . ومن جانب آخر لم يجد هو ولا الكاشاني سببا مقنعا للوقوف بوجه الشاه وبلاطه .
وقد بني مصدق أساس سياسته الداخلية على الشعب الإيراني ، وأساس سياسته الخارجية على الصداقة مع أمريكا والاعتماد عليها ، وكان يولي التنافس بين أمريكا والاستعمار الأوروبي ( وهو بريطانيا هنا ) اهتماما كبيرا . وكان ذلك دافعا لأن يقف أعضاء حزب توده بوجهه ، لاتباعهم الاتحاد السوفياتي من جهة ، ولكونهم يرون في أمريكا القوة الرأسمالية الكبرى والعدو الأكبر للشيوعية .
ولم يكن مصدق - في بداية رئاسته - يفكر بشيء أكثر من تفكيره بالنفط . إذ كانت نشاطات شركة النفط الإنجليزية وأعمالها تظهر أنها نهبت من ثروات الشعب الإيراني مقادير هائلة طوال نصف القرن الذي مر على استخراج النفط من إيران ، فقد أظهرت الاحصاءات - التي تصغر أحيانا - ان شركة النفط الإنجليزية استخرجت خلال هذه الفترة 326 مليون طن من النفط ، ولم تدفع إلى إيران من ثمنه سوى 105 ملايين ليرة ، في مقابل 790 مليون ليرة صرفتها إلى المساهمين في الشركة وإلى الحكومة البريطانية بالإضافة إلى ما أنفقته على مؤسساتها الخاصة .
وفي رأي الدكتور مصدق ، أن الأهم من كل هذا النهب ، هو ما تقوم به بريطانيا من تدخل في شؤون الحكومة الإيرانية والشعب الإيراني ، وقد كان يعلم أن بريطانيا قامت - منذ اكتشاف النفط في إيران - بجلب العديد من الحكومات ثم الإطاحة بها ، حتى كان الانقلاب الأخير الذي أوقع الشعب الإيراني في قبضة دكتاتورية رضا شاه لعشرين سنة .
وكان مصدق يرغب أن يتمكن - في آخر عمره - من تفويض دعائم هذا البناء البغيض ، وكان يرى لزاما عليه في ذلك أن يستفيد من القوة الأمريكية ، ومداراة البلاط الشاهنشاهي إضافة إلى الاستعانة بتأييد ودعم السيد الكاشاني . ومن ثم وضع الاستفادة من الطاقات الشعبية على رأس الأولويات التي ستباشرها حكومته .
وفي بداية حكومته ، لم يكن هناك أحد يعارضه أو يعاديه سوى أنصار بريطانيا ، وحزب توده الذي استقبله استقبالا عدائيا قاسيا ، قالوا فيه : « الوطني هو موضع يكمن خلفه خادعو الشعب واللصوص ، وناهبوا الثروات وعملاء الاستعمار الوضعاء والطفيليون والحشرات القذرة التي دأبها التخريب والتحريض وتشويش الأذهان وتعكير النفوس والاضطرابات وإيجاد المفاسد والحط من قدر المناضلين في طريق الحرية . وعقل الوطني ناقص ، وفكره قصير ومنطقه ضعيف ، ولسانه ألكن ودموعه لا تنضب ، ومائدته عامرة ، وسريره مريح ، وقصره شامخ ، وأمواله دون حساب ، ومؤامراته لا تنقضي . . هذه هي خصال الوطني ! » ولم يكن الوطنيون يستحقون هذه الشتائم لا سيما وأن مطلقيها كانوا هم أكثر الناس تملقا لقوام السلطنة ، ومناصرة لرزم آرا . وكانت هجمات حزب توده على الحكومة التي ينتظرها الكثير من الجهد على سبيل مقارعة سلطة الأجنبي ، كانت هذه الهجمات تحد من شعبية الحزب وتصنيف إلى مصدق شعبية ونفوذا .
كانت وزارة مصدق دليلا على مدى ابتعاده عن اليساريين وميوله إلى اليمينيين ، إضافة إلى كونها مؤشرا واضحا على اعتماده الكبير على الدور الأمريكي الايجابي في حل مسألة النفط .
وقد شكل وزارته من الوجوه المعروفة في الوزارات السابقة ، التي كان هو والشعب يعارضانها باستمرار ، ولم يستثن من ذلك سوى وزيرين هما أمير تيمور كلالي والدكتور كريم سنجابي اللذين بقيا وفيين له على الدوام . وقد انتقل هذان الاثنان من المجلس إلى الحكومة .
وجدير بالذكر أن مصدقا تعرف إلى أمير تيمور في الدورة الثالثة للمجلس نائبا عن مدينة مشهد ورئيسا لقبيلة ( كلالي ) وكان يمتدح نزاهة سياسته ، أما كريم سنجابي فقد أعجبته شهامته ووقوفه ضد الإنجليز ، حين كان نائبا في المجلس .
ولعل أغرب الأمور التي شاهدها الناس في وزارة مصدق التي كان من المقرر لها أن تقف موقفا متصلبا بوجه تسلط الأجنبي هو وجود جواد
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 306
مساهمون: حسن الأمين
ص٣٠٦