تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧

شيئا دخل تحته ، وانما يدل على أن المتكلم به أراد به الخصوص ولم يقصد به إلى ما بني في اللفظ له في العموم . . . « ( ص 37 ) . رابعا - الكتاب - وقد أريد له الاختصار ( 1 ) - قدمت فيه المباحث التي هي أكثر ضرورة وعملية في استنباط الأحكام الفقهية . وأهملت المباحث التي يغلب عليها الطابع النظري مثل بحوث حقيقة العلم أو حقيقة الكلام التي تعمق وتوسع فيها شيخ الطائفة في بداية عدة الأصول . في اعتقادي أنه من الرائع جدا أن لا يغفل الكتاب - على اختصاره - عن ذكر مباحث من قبيل : أن العموم والإطلاق خص بالسنة القولية ، وليس للعموم والإطلاق مجال في السنة الفعلية ( 2 ) ، أو أن الأمر عقيب الخطر لا يفيد أكثر من الإباحة ( 3 ) أو أن الاستثناء عقيب الجمل المتعددة - إن لم توجد قرينة - يعود إليها جميعا ( 4 ) وأمثال ذلك . . . ولتاثيرها وتكررها في الاستنباطات الفقهية بينت بعبارات مناسبة . مما ذكرنا يتضح أن شيخنا الكبير . . . بتدوينه كتاب الأصول كان يعكف على أعداد المقدمات اللازمة لابداع قالب علمي وفني للاستنباط الفقهي . وعلم الأصول - بالنسبة له - ليس مجموعة من المعارف الذهنية وشبه الكلامية . بل هو - كما صرح أيضا تلميذه في مقدمة عدة الأصول - ما تبتني عليه أحكام الشريعة ، ولا يكتمل علم الشريعة دون استحكام هذا الأساس ، ومن لم تكن الأصول عنده مستحكمة فهو حاك ومقلد وليس بعالم ( 5 )

3 - ابتكار أسلوب الجمع المنطقي بين العقل والنقل في الفقه والكلام :

هذا هو البعد الثالث من شخصية شيخنا الكبير باعتباره مؤسس ورائد الحركة العلمية لدى الشيعة . وفي هذا المجال أيضا فتح الشيخ الكبير طريقا جديدا بين الاتجاه العقلي المطلق للمعتزلة ومن حذا حذوهم من الشيعة - مثل آل نوبخت - وبين الاتجاه الحديثي عند الشيخ الصدوق . المعتزلة في عصر نشاط الاعتزال - أعني في أواخر العصر العباسي الأول ( المنتهي بأواسط القرن الثالث الهجري ) - تأثروا بشدة بتيار الأفكار الفلسفية الأجنبية ( اليونانية ، والبهلوية ، والهندية ، وغيرها ) الوافدة على العالم الإسلامي وبترجمة آثارها . وفي ذلك الزمان كان ذلك التيار الوافد وهكذا أفكار المعتزلة موضع تشجيع الخلفاء وخاصة المأمون . ردة الفعل أمام هذا الاتجاه العقلي تمثلت في حركة أصحاب الحديث من أهل السنة والمحدثين الشيعة مثل الصدوق رحمه الله ، الذين أرادوا أن يفهموا كل المعارف الكلامية والاعتقادية من الحديث . واتجه المفيد في عمله العلمي الكبير إلى إثبات أن العقل - وهو مستقل - عاجز عن فهم جميع المباحث التي يتناولها علم الكلام . في باب صفات الباري - مثلا - كالإرادة والسمع والبصر وأمثالها ، العقل انما يستطيع أن يلج باب المعرفة بمدد الوحي ، ووروده لوحده في هذا الوادي المرتبط بحضرة الربوبية ، هو ورود في التيه والضلالة . وهذا في الواقع مضمون نفس الروايات التي نهت عن الخوض في صفات الله تعالى . لم يستهدف المفيد - إذن - حرمان العقل من أن يلج ساحته المرتبطة به - التي ليس للسمع والوحي فيها طريق - أي ساحة إثبات الصانع والاستدلال على وجود الباري أو التوحيد أو النبوة العامة بل استهدف حد العقل بنفس الحدود التي عينها له خالق العقل كي لا يسقط في التيه والضلال . جاءت عبارة أوائل المقالات في موضع : « إن استحقاق القديم سبحانه بهذه الصفات ( أعني كونه تعالى سميعا بصيرا ورائيا ومدركا » كلها من جهة السمع دون القياس ودلائل العقول « ( 6 ) وفي موضع آخر : » إن كلام الله تعالى محدث وبذلك جاءت الآثار عن آل محمد ص « ( 7 ) وفي موضع آخر : » إن الله تعالى مريد من جهة السمع والاتباع والتسليم على حسب ما جاء في القرآن ، ولا أوجب ذلك من جهة العقول « ( 8 ) وفي موضع آخر في عبارة عامة : » اتفقت الامامية على أن العقل يحتاج في عمله ونتائجه إلى السمع ، وأنه غير منفك عن سمع ينبه العاقل على كيفية الاستدلال . . . وأجمعت المعتزلة . . . على خلاف ذلك وزعموا أن العقول تعمل بمجردها عن السمع والتوقيف . . . « ( 9 ) مثل هذه التصريحات كثيرة في كلمات المفيد . مع ذلك فهو يقبل سندية النقل حيث لم يقم برهان عقلي على امتناعه . ولذلك في باب ظهور المعجزات عن الأئمة ع ، قبل أن يذكر ورود دليل سمعي عليها يقول : » فإنه من الممكن الذي ليس بواجب عقلا ولا ممتنع قياسا « ( 10 ) مثل هذا الكلام كرره في مواضع أخرى ( 11 ) ولكنه في » تصحيح عقائد الإمامية « الذي هو تعليق على » اعتقادات الشيخ الصدوق « ، بعد أن يحكم برد الحديث المخالف للقرآن يعلن بصراحة تفوق صراحته في المواضع الأخرى ، ويقول : » وكذلك ان وجدنا حديثا يخالف أحكام العقول اطرحناه ، لقضية العقل بفساده « ( 12 ) وفي هذا البيان - إضافة - إلى رده الحديث المخالف لحكم العقل - يرى أن أساس هذا الرد هو حكم العقل أيضا . وبذلك يؤكد بشكل مضاعف على حجية الاستدلال العقلي . الاعتماد على الاستدلال العقلي في مدرسة الشيخ المفيد تصل إلى حد نراه في بحث « الألم للمصلحة دون العوض » بعد بيان رأيه الفريد الذي لا يشاركه فيه العدلية ولا المرجئة ، يقول بثقة قل لها نظير : « وقد جمعت

هامش
( 1 ) تلاحظ العبارات المنقولة عن العدة » في المختصر الذي له في أصول الفقه «
( 2 ) » وليس يصح في النظر دعوى العموم بذكر الفعل ، وانما يصح ذلك في الكلام المبني والصور منه المخصوصة . فمن تعلق بعموم الفعل فقد خالف العقول « التذكرة / 38 .
( 3 ) » إذا ورد لفظ الأمر معاقبا لذكر الخطر أفاد الإباحة دون الإيجاب « ص 30 .
( 4 ) » والاستثناء إذا أعقب جملا فهو راجع إلى جميعها إلا « ص 41 .
( 5 ) العدة / ص 8 .
( 6 ) أوائل المقالات / 59
( 7 ) أوائل المقالات / 57
( 8 ) أوائل المقالات / 58
( 9 ) أوائل المقالات / 50
( 10 ) تلاحظ العبارات المنقولة عن العدة » في المختصر الذي له في أصول الفقه «
( 11 ) أوائل المقالات ، القول في سماع الأئمة ع كلام الملائكة الكرام / ص 80 .
( 12 ) تصحيح الاعتقاد / ص 149