تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥

والشيخ الطوسي رحمه الله ألف بعد ذلك كتاب « المبسوط » دفعا لهذا الطعن . الاتجاه الثاني يقع في النقطة المقابلة للاتجاه الأول ويستند إلى الاستدلال والظن الغالب ، متخذا من فقه أهل السنة منطلقا وقدوة . والشخصيتان المعروفتان في هذا الاتجاه الحسن بن أبي عقيل العماني ( ت ؟ ) وابن الجنيد الإسكافي ( ت حوالي 381 ) . لا تتوفر لدينا معلومات كافية عن هذا الاتجاه ولا حتى عن الفقيهين المعروفين ، تستطيع أن توضح لنا بدقة طبيعة اجتهادهما في استنباط المسائل الفقهية ، ولكن مما قال المفيد وآخرون عن ابن الجنيد يظهر أنه كان يميل إلى القياس والرأي وبذلك ابتعد عن الطريقة المعروفة والمقبولة لدى الشيعة . أما العماني فلم ينسب إلى هذا الاتجاه بل إنه كما يقول النجاشي : « وسمعت شيخنا أبا عبد الله يكثر الثناء على هذا الرجل رحمه الله » ( 1 ) . ومما قاله هو والشيخ في الفهرستين حول كتابه ( 2 ) نستطيع أن نفهم أنه فقيه مستقيم ، ولعله كان قريبا من الطريقة التي انتهجها الشيخ المفيد وألف وحقق فيها وربي تلاميذه عليها . . . ولكن مع ذلك تعتبر آراؤه غالبا في عداد الشذوذات الفقهية والمتروكة ، ولعل هذا هو سبب عدم بقاء شيء من كتابه سوى الاسم بعد العلامة والمحقق ( رض ) . ومما تقدم يمكن أن نحدس بان فقاهته لم تكن سليمة ولا يمكن أن يكون قد خلف بعده اتجاها في الفقه . ولا شك أن هذا العالم الأقدم الذي يقول عنه بحر العلوم : « هو أول من هذب الفقه واستعمل النظر وفتق البحث عن الأصول والفروع في ابتداء الغيبة الكبرى ( فتاوى العلمين / 13 ) كان له تأثير على ما توصل اليه الشيخ المفيد لأول مرة من قاعدة صحيحة للفقاهة ، بل كان المقدمة لعمل المفيد العلمي . وكما يلاحظ فان كل واحد من الاتجاهين الفقهيين ناقص في جانب من الجوانب . في الاتجاه الأول الفتوى نفس نص الرواية دون تفريع ودون رد الفرع على الأصل ودون بحث ومناقشة ونقد واستنتاج . الاجتهاد بمعناه المصطلح لا دخل له في هذا اللون من الفقاهة ولا تأثير . والاتجاه الثاني ، مع وجود النظر والاستدلال فيه ، يبدو أنه ليس وفق مدرسة أهل البيت ع ، فهو يقترن بالقياس أو ينحو منحى ينتهي بالآراء الشاذة ، ولا يقدر له البقاء في حوزة فقاهة الشيعة . فقه المفيد مبرأ من هذين العيبين ، وله كلا المزيتين : مزية الاستناد إلى الأساليب المعتبرة لدى الامامية ، ومزية الاستفادة من الاجتهاد المصطلح وإدخال عنصر الاستدلال والاستنباط النظري في الفقه . من هنا فهو الذي توصل إلى القالب العلمي المقبول والمعتبر لدى الشيعة ، وأكسب المواد المأثورة والأصول المتلقاة نظاما علميا ، وأودعه حوزة الفقاهة الشيعية ، وبعده استمر نظام الفقاهة هذا عبر القرون حتى وصل إلى ما عليه اليوم من نضج وازدهار . ومن أجل الاطلاع بشكل اجمالي على قيمة عمل المفيد في حقل الفقه وأهميته ، نتحدث فيما يلي عن العناوين الثلاثة التالية : أ ) كتاب المقنعة . ب ) رسائل فقهية صغيرة للمفيد . ج ) كتاب التذكرة بأصول الفقه .

أ - كتاب المقنعة :

« المقنعة » دورة كاملة في الفقه ، لم يسبقه كتاب فقهي بهذه الخصائص . مقنع الصدوق لا يبلغ هذا الكتاب في جامعية مباحثه الفقهية على أنه مثل كتاب ابن بابويه يضم نصوص الروايات وأن مباحثه أكثر قصرا واختصارا . المفيد لم يذكر أدلته في هذا الكتاب على فتاويه ولذلك ليس من السهل فهم طريقة استدلاله على هذه الفتاوى ، ولكن بالقرينة المطمئنة يمكن القول أن ما أفتاه هذا الكتاب يستند إلى استدلال فقهي مستحكم . وإذا كان هذا الاستدلال غير مدون وغير معروض لاستفادة الخلف ، فان تلاميذه وطبقة الفقهاء المتصلة به قد اتخذوه قدوة لأعمالهم وأضافوا إليه . والقرينة المطمئنة كتاب « التهذيب » للشيخ الطوسي . وكما نعلم أن التهذيب شرح للمقنعة ، وبيان لاستدلالاته الفقهية . الشيخ الطوسي ( رض ) في مقدمة ذلك الكتاب يبين دوافع تاليفه ويذكر أن الصديق الذي طلب منه تأليف كتاب « يحتوي على تأويل الأخبار المختلفة والأحاديث المتنافية . . . » . اقترح عليه أن يقصد إلى رسالة « المقنعة » للمفيد لأنها كافية شافية خالية من الحشو والزوائد . ثم يبين طريقته في الاستدلال وهي باختصار كما يلي : الاستدلال على كل مسألة بظاهر أو صريح القرآن أو أنواع دلالاته المفهومية ( مثل : مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة والدلالة الالتزامية ونظائرها ) ، وهكذا الاستدلال بالسنة القطعية بمعنى الخبر المتواتر أو الخبر المحفوف بالقرينة ، وهكذا إجماع المسلمين أو إجماع الإمامية ، ثم ذكر الأحاديث المشهورة في كل مسألة ، ثم النظر في الدليل المعارض ( إن وجد ) والسعي في الجمع الدلالي بين الدليلين ، وإن تعذر الجمع الدلالي ، يرد الدليل المقابل لضعف السند أو لاعراض الأصحاب عن مضمونه ، وإن تساوى الدليلان في السند وأمثاله ( مثل جهة الصدور أو الاعراض المشهور وغيره ) ولا ترجيح لأحد على آخر فالترجيح الخبري الموافق للأصول والقواعد الكلية المستخرجة من الشريعة ، وترك الدليل المخالف للأصل والقاعدة . وإن لم يكن ثمة حديث أصلا فالحمل على ما يقتضيه الأصل ، وترجيح الجمع الدلالي على الترجيح السندي ، والجمع الدلالي وفق « شاهد الجمع » المنصوص ، وعدم تخطيه قدر الإمكان . هذا هو أسلوب الشيخ الطوسي في الاستدلال على كتاب المقنعة كما ورد في مقدمة كتاب التهذيب . وأهل الفن يعلمون جيدا أنه الأسلوب الجامع في الاستدلال على مر عصور فقاهة الشيعة حتى يومنا هذا ، والقالب العام للاستدلال الفقهي في جميع الأعصر التي تلت الشيخ الطوسي ( رض ) حتى عصرنا الراهن . وهنا يطرح هذا السؤال نفسه هل إن الشيخ المفيد - مؤلف المقنعة - كان غافلا عن طريقة الاستدلال الجامعة هذه التي تستطيع أن توصل الفقيه إلى فتاوى كل الكتاب وهل توصل إلى تلك الفتاوى دون معرفة بطريقة الاستدلال هذه ؟ بعبارة أخرى : هل إن الشيخ الطوسي ( رض ) مبتكر هذه الطريقة
هامش
( 1 ) رجال النجاشي / 48 .
( 2 ) عبارة النجاشي على النحو التالي : « كتاب مشهور في الطائفة ، وقيل : ما ورد الحاج من خراسان إلا طلب واشترى منه نسخة ( ص 48 ) » ، وعبارة الشيخ في الفهرست : « له كتب أخر منها كتاب التمسك في الفقه ، كبير حسن » ( الفهرست / 368 ، ومع قليل من الاختلاف في ص 96 ) .