مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 284
وأمثالها ، غير أن التمايز في مسألة الإمامة بين الشيعة وغيرهم أوضح من أية مسألة أخرى . لذلك افتتح الشيخ المفيد كتبه الضخمة مثل أوائل المقالات ونظائره بالكلام عن الإمامة ، بل كتب رسائل صغيرة وكبيرة عديدة أيضا في موضوع الإمامة تحت عناوين مختلفة . ومن المناسب أن نشير هنا أن كون الإمامة « نقطة شاخصة » في فكر المفيد كما بينا هو غير ما ذهب إليه أحد المستشرقين في هذا المجال حين قرر أن الإمامة هي « محور النظام الفكري » لدى المفيد . محور النظام الفكري لدى الشيعة ومتكلميهم ( المفيد وغير المفيد ) هو مسألة الصانع وتوحيد الله سبحانه وتعالى . والمسائل المهمة الأخرى مثل : صفات الله تعالى ، عددها ومعناها ونسبتها إلى ذات الباري عز اسمه ، ومسألة النبوة وفروعها ، ومسألة العدل ، وكذلك مسألة الإمامة والمسائل المرتبطة بالتكليف والقيامة وغيرها . . . كلها فروع تلك المسألة ومبتنية عليها . المستشرقون ومن ليست له إحاطة علمية كافية بالمفاهيم الإسلامية يقعون مع الأسف في مثل هذه الاشتباهات عند دراستهم لأشخاص عظام مثل الشيخ المفيد . ولا بد لمثل هذه الجلسات والبحوث أن تصحح هذه الانحرافات وتلقي الضوء على الحقائق الباحث الغربي الذي كتب عن أفكار الشيخ المفيد يقول عنه حينا إنه يفتقد النظام الفكري المشخص ، ويقول عنه حينا آخر إنه صاحب نظام فكري يقوم على أساس الإمامة . وكلا القولين - كما ذكرنا - يجانبان الصواب . النظام الفكري للمفيد قد بينه في كتب ورسائل عديدة بوضوح . ومحوره ، بعد مسألة « المعرفة » التي هي المقدمة الطبيعية للمسائل الاعتقادية ، مسألة الذات وصفات الباري . سائر المسائل الأساسية متفرعة عنها حسب مراتبها . مسألة الإمامة كما ذكرنا شاخص هذه المدرسة ونقطة تميزها عن سائر المدارس ، وعقيدة يعرف بها أتباع التشيع . لعلنا نستطيع أن نقارنها بمسالة « المنزلة بين المنزلتين » في مدرسة المعتزلة . في أصول المعتزلة الخمسة هذه المسألة ليست أهم المسائل وأولها وأعمقها ، إذ هناك التوحيد والعدل أيضا . لكن مسألة « المنزلة بين المنزلتين » قد أوجدها الاعتزال واختص وتميز بها . وليس ثم معتزلي يصدق عليه هذا الاسم ولا يؤمن بهذه المسألة . هذه الخاصية في النظام الفكري الشيعي تتمثل بالإمامة . مما تقدم نفهم أن الشيخ المفيد . . . النابغة الكبير في تاريخ التشيع . . . أول من رسم وضبط حدود مدرسة التشيع في الفقه والكلام . في علم الكلام بنى نظاما فكريا منسجما من مجموع عقائد الشيعة ، وحال دون أن يشتبه بينه وبين المذاهب والفرق الأخرى بما في ذلك المذاهب الشيعية غير الامامية . وفي علم الفقه قدم دورة في الفقه استنادا إلى طريقة الاستنباط القائمة على الأصول المتخذة من تعاليم أهل البيت ع ، وسد الطريق أمام الأساليب غير المعتبرة مثل القياس أو الأساليب الابتدائية والناقصة مثل أسلوب أهل الحديث . بعبارة أخرى : انه الرجل الذي ثبت الهوية المستقلة لمدرسة أهل البيت ع . وهذا هو البعد الأول من الأبعاد الثلاثة التي تبتني عليها شخصية الشيخ المفيد باعتباره المؤسس والحلقة الأولى للتيار العلمي المتكامل في مدرسة أهل البيت ع . 2 - تأسيس الإطار العلمي الصحيح لفقه الشيعة : الفقاهة ، بمعنى استنباط حكم الشريعة من الكتاب والسنة ، لها جذور عريقة عند الشيعة . الإمام الباقر ( ع ) يقول لأبان بن تغلب : « اجلس في المدينة وأفت الناس » ) * ( 1 ) ( 1 ) رجال النجاشي / 10 . ويقول لعبد الأعلى : « يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عز وجل . قال الله تعالى : * ( ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) ) * ( 2 ) ( 2 ) الوسائل 1 / 327 . والآية من سورة الحج : 78 . ) * هذه وأمثالها من الروايات تدل على أن أصحاب الأئمة ع كانوا يمارسون استنباط الأحكام من القرآن وسنة رسول الله ص وكلمات الأئمة . والفقه ، بمعنى معرفة الأحكام ، لم ينحصر في دائرة شيعة الأئمة بالتقليد والعمل بكلمات الأئمة ع ، بل اتسع ليشتمل على مزيد من التفاصيل والتعقيد في الاستدلال . مع ذلك ثمة بون شاسع بين ما كان يمارسه فقهاء أصحاب الأئمة ع في باب الفقاهة والإفتاء وبين الفقاهة في عصر ازدهار فقه الشيعة أي عصر رد الفروع على الأصول واستنباط مئات القواعد العامة وآلاف الأحكام الفقهية المعقدة والصعبة من الكتاب والسنة وحكم العقل ، وتفريع الفروع الهائلة القادرة في زمن غيبة الامام المعصوم أن تجيب على أسئلة المكلفين في حقول الشريعة وتبين الحلال والحرام في جميع الأبواب وبكل التفاصيل . وهذا البون الشاسع يجب أن يملأ بمرور الزمان وعلى مدى التطور التدريجي للفقه . من سبق المفيد من الفقهاء قطعوا دون شك أشواطا قيمة على هذا الطريق . لكن هذا الشيخ الكبير بقدرة نبوغه الفكري يعتبر في هذا الصعيد مبدأ تطور تاريخي وبداية تيار خلاق متنام متعمق . ويظهر أنه بعد قرون من جمع المصادر الفقهية المتمثلة بنصوص المعصومين والإفتاء على أساس ظواهر هذه النصوص ، استلزم الأمر في مرحلة من تاريخ الفقه أن تصب هذه الكنوز القيمة في قالب أفكار علمية وأن يبتكر أسلوب فني للاستنباط . قبل الشيخ المفيد كان ثمة اتجاهان متفاوتان في فقه الشيعة . أحدهما اتجاه برز فيه علي بن بابويه ( ت 329 ) ، وقد نستطيع تسميته اتجاه القميين . وأغلب الظن أن أستاذ المفيد في الفقه أعني جعفر بن قولويه ( ت 368 ) هو من هذه المجموعة . الفقاهة في هذا الاتجاه تعني الإفتاء حسب نصوص الروايات ، بحيث أن كل فتوى في كتب هؤلاء الفقهاء تحكي عن وجود رواية في مضمونها . ولذلك حين يكون صاحب الفتوى ثقة ثبتا فان فتواه تستطيع أن تقوم مقام حديث . من هنا قال الشهيد ( رض ) في الذكرى : « قد كان الأصحاب يتمسكون بما يجدونه في شرائع الشيخ أبي الحسن بن بابويه رحمه الله عند إعواز النصوص لحسن ظنهم به وإن فتواه كروايته » ( 3 ) ( 3 ) فتاوى العلمين / 5 . بديهي أن الفقاهة بهذه الكيفية ابتدائية جدا ، وعارية عن الأسلوب الفني المعمق . والفروع المذكورة في الكتب الفقهية لهذا الاتجاه ، تنحصر بالفروع المنصوصة ، وهي قليلة ومحدودة . وهذا هو الذي أدى إلى أن يوجه المخالفون طعونهم لفقه الشيعة متهمين إياهم بقلة الفروع .