فيه أصول يختص بي جمعها دون من وافقني في العدل والارجاء ، بما كشف لي في النظر عن صحته ولم يوحشني من خالف فيه ، إذ بالحجة لي أتم أنس ولا وحشة من حق والحمد لله « ( 1 ) ولما كان قد استند في الألم والبحوث المتفرعة عن اللطف عامة إلى الأدلة العقلية لا السمعية ، لذلك فان قصده من ( الحجة ) في العبارة المذكورة هو الاستدلال العقلي نفسه . ورود عنصر « السمع » في بناء المدرسة الكلامية للشيخ المفيد أدى - بالاستمداد من كلمات الأئمة ع - إلى أن تأخذ كثير من المباحث الشائكة التي تتطلب مسيرا طويلا للتوصل إلى كلام الحق فيها مكانها بسهولة في المجموعة الكلامية لذلك الشيخ الكبير ، وأدى إلى إنقاذ المسيرة الكلامية للشيعة بعد المفيد من الانحرافات والاضطرابات الفكرية . على سبيل المثال نذكر أن المعتزلة في مسألة صفات الباري طوت طريقا طويلا ابتداء من نفي الصفات كما جاء في كلام واصل بن عطاء ومرورا بنظرية نيابة الذات عن الصفات ، حتى الوصول إلى نظرية التوحيد بمعنى عدم زيادة الصفات على الذات ، وان صفات الله تعالى عين ذاته في الوجود . بينما نرى هذه المسألة في كلمات المفيد متخذة من السمع أعني نهج البلاغة والروايات الصادرة عن الأئمة ع . ومن هذه الروايات يستفاد أيضا أن هذه المباحث كانت متداولة في زمن الأئمة ع بين الشيعة ، وكانوا ينهلون بشأنها من النبع الخالد لعلم أهل البيت ( راجع الكافي 1 / 107 باب صفات الذات والفصول المختلفة من توحيد الصدوق وخطبة نهج البلاغة ) . ويلفت النظر أن الشيخ المفيد في الرسائل الكلامية المختصرة مثل : « النكت في مقدمات الأصول » يلجا حتى في باب صفات الباري ( حيث حصر استدلال هذا الباب في أوائل المقالات بالاستدلال السمعي ) إلى الاستدلال العقلي إلى جانب الاستدلال السمعي . يقول مثلا : « فان قال : ما الدليل على أنه قادر ؟ فقل : تعلق الأفعال به مع تعذرها في البداءة عن العاجز . . » ويقول أيضا : « ما الذي يدل على أنه عالم ؟ فقل : الصفة في البداءة على الجاهل » ، ونفس الترتيب في باب السميع والبصير والحكيم . ( النكت في مقدمات الأصول ص 33 - 34 ) . وهذا لا يمكن اعتباره عدولا عن الأصل المذكور في أوائل المقالات . لقد سبق أن ذكرنا أن الرسائل الموجزة التي دونها الشيخ المفيد على شكل سؤال وجواب هي بالاحتمال القوي منهج عملي لمتعلمي الجدل الكلامي من الشيعة القاصين الذين ما كان بامكانهم أن ينالوا أستاذا كالشيخ المفيد . والشيخ الكبير في تلك الرسائل ، اختار طريق البحث العقلي باعتباره أجدى طريق لمواجهة أي مخاطب . بهذا الشكل يتضح أن الجمع بين الحجة العقلية والدليل النقلي في المنهج الكلامي للشيخ المفيد من أبرز أعماله الكبيرة والمبتكرة . آمل أن تحظى هذه العناوين الهامة والجوانب الوضاءة الكثيرة الأخرى من الحياة العلمية للشيخ المفيد باهتمام ومتابعة هذا المجمع العلمي والتحقيقي . في خاتمة هذا المقال يجدر أن نؤكد أن هذا النابغة الكبير قد قام ما قام به من جهاد علمي طويل وتأسيس صرح علم الفقه وشق الطريق الوسط في الكلام في ظروف وأوضاع اجتماعية صعبة . حكومة آل بويه في بغداد ، وإن استطاعت أن توجد جوا مناسبا للبحث العلمي الحر ، لم تستطع أبدا أن تحل مشكلة المواقف المتعصبة لفقهاء الحنابلة ، وضغوط جهاز الخلافة العباسية على الشيخ المفيد وعامة الشيعة . مظلومية شيعة الكرخ في بغداد والمحن العظيمة التي مرت عليهم وعلى زعيمهم الكبير حقائق يشهد لها التاريخ بصراحة . المظنون أن الشيخ المفيد غير المرات الثلاث من النفي ذكرتها كتب التاريخ ، قد تعرض لمحنة أخرى خلال مدة دامت سنتين تقريبا بين 405 و 407 ولا نعرف طبيعة هذه المحنة . وهذا الظن يأتي من عدم وجود أي ذكر للشيخ المفيد في قضايا وفاة السيد الرضي تلميذه المحبوب سنة 406 ، مع أن الكتب ذكرت تفاصيل التشييع وخصوصياته ، والقاعدة تقتضي ذكر الشيخ المفيد كرارا في هذا الحادث . وثمة قرينة أخرى تبعث على هذا الظن هي أن أمالي الشيخ المفيد التي كان يلقى حوالي شهر رمضان من كل سنة ، عدد من مجالسها في بيت الشيخ أو في مسجده بباب الرباح واستمرت من سنة 404 إلى سنة 411 ، لم تلق خلال السنتين 405 و 406 ، ولا يوجد أي مجلس يرتبط بهاتين السنتين في مجموعة أمالي الشيخ المفيد . وأيضا ، هناك قرينة أخرى نتلمسها من قضايا محرم سنة 406 إذ اندلعت فتنة كبيرة أخرى من الفتن والمحن المكررة التي ألمت بالشيعة . وفيها اختارت حكومة بغداد السيد المرتضى ليكون ممثل الشيعة ورئيسهم الذي يتحدث عندها عنهم ، لا الشيخ المفيد ، والحال أن الرئيس المطلق للشيعة بلا منازع في تلك الأيام وقبلها كان الشيخ المفيد ، والسيد المرتضى يعتبر تلميذه ومريده المتواضع ومن اتباعه . هذه القرائن تبعث على الظن بمحنة الشيخ المفيد في تلك السنتين مما أدت إلى غيابه عن بغداد ، ويجب التحقيق في ذلك . ومن المسلم أن الحياة في بغداد لعامة الشيعة وزعمائهم في القسم الأعظم من زمن حكومة آل بويه على العراق وبغداد الذي استمر مائة وثلاثة عشر عاما كانت قاسية مقرونة بالمحن والاشتباكات والمجازر والمظلومية ( 2 ) والشيخ المفيد وسط هذه المشاكل المتفاقمة وبتحمل مسؤوليات قيادة الشيعة في العراق بل في جميع العالم حقق هذا النجاح الباهر في حقل معارف الشيعة . وقال الشيخ محمد حسن آل ياسين متحدثا عن مؤلفاته : الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان عالم كبير وفقيه اسلامي مرموق ، كان له ولمدرسته الكلامية والفقهية دور بارز في تاريخ بغداد الفكري في أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس الهجري .
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 288
مساهمون: حسن الأمين
ص٢٨٨
هامش
( 1 ) أوائل المقالات / ص 129
( 2 ) يستثنى من ذلك فترة حكومة عضد الدولة على بغداد ( 367 - [ 32 ] 372 ) .