تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
في الاستدلال ؟ أو إنه تعلمها من أستاذه المفيد ؟ يبدو أن الجواب واضح لو أخذنا كل جوانب الموضوع بنظر الاعتبار . نعلم أن الشيخ الطوسي بدأ بتأليف كتاب التهذيب في حياة الشيخ المفيد أي قبل سنة 413 . وهذه المقدمة كتبها آنئذ . فقد ورد الشيخ الطوسي العراق سنة 408 حين كان شابا في الثالثة والعشرين من عمره ، وترقى في مدارج العلم والبحث على يد أستاذه الشيخ المفيد ، ثم واصل تلقيه العلمي على السيد المرتضى مدة 23 سنة . ومن هنا لا يبقى مجال للشك أن الشيخ الطوسي تعلم هذا الأسلوب الاستدلالي الفقهي على الشيخ المفيد ، وبسبب تعرفه على أسلوب استدلال أستاذه استطاع أن يجعل الكتاب مستدلا وفق أصول استدلال الأستاذ نفسه . هذا الاستنتاج يزداد قوة وقاطعية حين نلاحظ المباني الأصولية للشيخ المفيد في كتاب الأصول الذي سنتناوله فيما بعد . بملاحظة ذلك الكتاب وما نهج فيه المفيد من أسلوب الاستناد إلى الكتاب والسنة المتواترة والمحفوفة بالقرائن أو المرسلة المشهورة المعمول بها عند الأصحاب وغيرها من آرائه في الأصول ، يتضح بجلاء أن الأسلوب الاستدلالي الذي بينه الشيخ الطوسي في مقدمة التهذيب هو نفس ما كان يؤمن ويعمل به أستاذه ويعلمه لتلامذته . مما تقدم نفهم أن كتاب المقنعة - وإن لم يقترن بالاستدلال - قد توصل ذلك الفقيه الكبير إلى ما فيه من فتاوى بنفس الأسلوب الاستدلالي الذي تواصل ألف عام بعده في حوزة فقاهة الشيعة . هذه الطريقة الاستدلالية هي نفس النهج الاستدلالي الكامل الذي لم يكن موجودا دون شك في أي واحد من الاتجاهين الفقهيين للشيعة أي اتجاه ابن بابويه واتجاه القديمين - وشيخنا الكبير مبتكر هذا الاتجاه ومؤسسه وواضع قواعده .

ب - الرسائل الفقهية :

هذه الرسائل على قلة حجمها تعبر عما كان يتمتع به الشيخ الكبير من عمق علمي فقهي . بعض هذه الرسائل مثل رسالة « المسح على الرجلين » و « ذبائح أهل الكتاب » تشتمل على استدلالات جدلية شبه عقلية ، لكن بعضها الآخر يحتوي حقا على أسلوب مستحكم وقوي ومنظم فقهي مثل رسالة « المهر » أو « جوابات أهل الموصل في الرؤية والعدد » أو « المسائل الصاغانية » . في رسالة الرؤية والعدد التي تختص برد القول المنسوب إلى الصدوق ( رض ) وبعض الفقهاء القدماء بشأن عدد أيام شهر رمضان وأنها ثلاثون يوما ، الشيخ المفيد يقرن الاستظهار من الآيات ، والاستنباط من اللغة ، والاستشهاد بالأحكام الفقهية المسلمة ، والبحث في فقه الحديث بشأن الروايات التي يستدل بها الخصم ، والمناقشة في السند ، وذكر أحوال الرجال ، وذكر نكات كثيرة في فهم الأحاديث والاستنباط منها مستفيدا من كل واحد منها على أفضل وجه وأنضجه . ومن أعماله الرائعة في هذه الرسالة أنه في موضع منها بعد ذكر الحديث الذي يستدل به الطرف المقابل ، يضعف سنده ، ويعتبر مضمونه غير معقول وبعيدا عن الأسلوب الحكيم للإمام وناتجا عن جعل عامي وجاهل ، وإضافة إلى ذلك يثير احتمال إرسال سنده وهذه النكتة الأخيرة تدل على تبحره واحاطته بالحديث ( راجع الرسالة المذكورة ، ص 23 وما بعدها . الفصل المرتبط برواية يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله ع ) . رسالة « المسائل الصاغانية » ، التي يجيب فيها على إشكالات فقيه حنفي من أهل صاغان في عشر مسائل فقهية ، نموذج آخر على ما في الشيخ الكبير من قوة استدلال وتبحر فقهي . هذه الرسالة - وإن كانت ذات طبيعة كلامية أي إنه يواجه فيها الخصم غير الشيعي الذي يتهمه بالبدعة ، بنسبة الافتراء والبدعة اليه وإلى إمامه - فهي تبين بوضوح لكل قارئ خبير قوة الاستدلال والروح العلمية والفقاهة الاجتهادية لدى الشيخ المفيد ، لأن المسائل المعروضة فيها فقهية بشكل عام . هذه الرسالة ورسالة « العدد والرؤية » تستطيع أن تكون أفضل شاخص لما بلغه الشيخ المفيد من مكانة ابداعية ، وأحسن دليل على أن ما يشاهد في طبقة تلاميذه وتلاميذ تلاميذه من أسلوب علمي في الفقاهة إنما هو ناشئ تماما عن الأسلوب الذي أسسه ووضع قواعده ذلك الرجل الكبير .

ج - كتاب التذكرة بأصول الفقه :

علم الأصول ، منهج الاستنباط الفقهي . . . أسلوب للوصول إلى الأحكام العملية من الأدلة المعتبرة . تنظيم القوانين والقواعد الأصولية بمثابة وضع منهج للفقاهة . بدون مثل هذا المنهج تكون ساحة الفقاهة بدون حدود وعرضة للخلط والشوائب والاشتباه ، والأحكام المستخرجة تفقد لا محالة اعتبارها المطلوب . أضف إلى ذلك أن أذواق الفقهاء وآراءهم الشخصية وفهمهم الفردي سيكون لها دور يتجاوز الحد في نتيجة الفقاهة ، وتصاب آراء الفقهاء بالتشتت وعدم الانتظام . صحيح أن علم الأصول كلما ازداد عمقا ونضجا وتعقيدا ساعد على سلامة الآراء الفقهية ، غير أن الذي يؤثر في غاية الفقاهة ونتيجتها أكثر من ذلك ، أصل إيجاد هذا العلم ووضعه . أساس علم أصول الفقه وبنيته نجده دون شك في كلمات الأئمة ع وفيما يطلق عليه اسم « الأصول المتلقاة » . ولكن أول كتاب في الأصول لدى الشيعة دون - على ما نعلم - بيد الشيخ المفيد . وهو الكتاب الصغير في الحجم الضخم في محتواه المسمى « التذكرة بأصول الفقه » وانه أغلب الظن مختارات انتخبها تلميذه الشيخ أبو الفتح الكراجكي ( ت 449 ه‍ ) من أصل كتاب المفيد الذي كان هو أيضا صغير الحجم . هذا الكتاب على صغره له أهمية فائقة لأنه : أولا - أول كتاب دون في أصول الفقه عند الشيعة . يقول الشيخ الطوسي - رحمه الله - في مقدمة كتاب عدة الأصول : « ولم يعهد لأحد من أصحابنا في هذا المعنى إلا ما ذكره شيخنا أبو عبد الله رحمه الله في المختصر الذي له في أصول الفقه » ( 1 ) وثانيا - فيه مباحث كثيرة بعبارات مقتضبة ، وفي مباحث الألفاظ خاصة عناوين عديدة تشتمل على أبحاث هامة . وثالثا - في بعض مباحثه توجد نظرات للشيخ الكبير تشبه إلى حد كبير ما ذكره المحققون الأصوليون في عصور متأخرة جدا . فما ذكره مثلا في باب نسبة العام والخاص يشبه إلى حد كبير ما يسمى « الإرادة الجدية والإرادة الاستعمالية » في تحقيقات أسلافنا القريبين من زماننا . عبارة الشيخ المفيد في هذا المورد كما يلي : « والذي يخص اللفظ العام لا يخرج منه

هامش
( 1 ) العدة / ص 5 .
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 286 | حسن الأمين