بأساليب مختلفة . بلغ في بعضها ذروة الروعة والتأثير ، لكنه في « أوائل المقالات » قد تناول الموضوع بشكل كامل وشامل .
نرى أنه يصل في بعض المواضع إلى اشتراك في العقيدة بين الشيعة والمعتزلة . وفي بيان هذا الاشتراك ينتهج أسلوبا يوضح استقلال مدرسة أهل البيت في تبني تلك العقيدة ، وينفي تماما احتمال تبعية الشيعة للمعتزلة في هذا التبني . يقول مثلا في باب نفي رؤية الله سبحانه وتعالى : « أقول إنه لا يصح رؤية الباري سبحانه بالأبصار وبذلك شهد العقل ونطق القرآن وتواتر الخبر عن أئمة الهدى من آل محمد ( ص ) وعليه جمهور أهل الإمامة وعامة متكلميهم إلا من شذ منهم لشبهة عرضت له في تأويل الأخبار ، والمعتزلة بأسرها توافق أهل الإمامة في ذلك وجمهور المرجئة وكثير من الخوارج والزيدية وطوائف من أصحاب الحديث » ( أوائل المقالات / ص 62 - 63 ) .
فالشيعة يستندون إلى الأدلة المعتبرة وهي الكتاب والسنة المتواترة ، والدليل العقلي يؤيد ذلك أيضا . فلا حاجة إذن أن يأخذوا هذا الكلام من المعتزلة أو غيرهم . بل إن المعتزلة هم الذين اتفقوا في هذه المسألة مع الامامية ، وهذا يعني أن المعتزلة في هذه المسألة [ مدينون ] مديونون للشيعة .
وفي باب علم الله تعالى بالأشياء قبل وجودها يقول :
« أقول : إن الله تعالى عالم بكل ما يكون قبل كونه وأنه لا حادث إلا وقد علمه قبل حدوثه ، ولا معلوم وممكن أن يكون معلوما إلا وهو عالم بحقيقته وأنه سبحانه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، وبهذا اقتضت دلائل العقول والكتاب المسطور والأخبار المتواترة عن آل الرسول وهو مذهب جميع الامامية ، ولسنا نعرف ما حكاه المعتزلة عن هشام بن الحكم في خلافه ، وعندنا انه تخرص منهم عليه ، وغلط ممن قلدهم فيه فحكاه من الشيعة عنه . . . ومعنا فيما ذهبنا اليه في هذا الباب جميع المنتسبين إلى التوحيد سوى الجهم بن صفوان من المجبرة وهشام بن عمرو الفوطي من المعتزلة » ( ص 60 - 61 ) .
وهنا أيضا نرى لحن الحديث في الاستناد إلى القرآن والحديث المتواتر يتجه إلى بيان استقلال الشيعة في منشا الاستناد ولو أن المعتزلة مثل الفرق الأخرى قد قبلت ذلك أيضا .
في بعض الموارد يشترك الشيعة والمعتزلة في قسم من مسألة واحدة .
والشيخ المفيد في مثل هذه الموارد يبين نقاط الافتراق بين الشيعة والمعتزلة كي لا يؤدي اشتراك الفريقين في عنوان المسألة ، إلى ظن الاشتراك في كل التفاصيل والجوانب . على سبيل المثال ، كلا الشيعة والمعتزلة يقولون باللطف والأصلح ، لكن المفيد يهتم برفع أي اشتباه يمكن أن يحدث في فهم المسألة ، ويبعد عن الشيعة ما وقعت فيه المعتزلة من اشتباه حين يتحدث في باب اللطف . فهو بعد بيان الأصلح يقول مباشرة : « وأقول أن ما أوجبه أصحاب اللطف من اللطف إنما وجب من جهة الجود والكرم ، لا من حيث ظنوا ( المعتزلة وآخرون ) أن العدل أوجبه ( أي أوجب اللطف على الله ) وأنه لو لم يفعل لكان ظالما » .
( ص 65 ) .
حتى في المواضع التي اتفق فيها رأي شاذ من آراء متكلمي الشيعة مع المعتزلة ، يصر على ذكر الشواذ بالاسم أو الإشارة ، كي لا يتخذ ذلك الرأي الشاذ طابع عقيدة شيعية ويحسب على مدرسة التشيع ، في مسألة العصمة مثلا بعد أن يبين رأي الامامية في عصمة الأئمة ع عن الصغائر وحتى عن السهو والنسيان ، يقول : « وعلى هذا مذهب سائر الامامية إلا من شذ منهم وتعلق بظواهر روايات لها تأويلات على خلاف ظنه الفاسد من هذا الباب ، والمعتزلة بأسرها تخالف في ذلك ويجوزون من الأئمة وقوع الكبائر والردة عن الإسلام » ( ص 74 ) .
ويبدو انه يشير إلى كلام الشيخ الصدوق في هذه الأمثلة وفي جميع كتاب أوائل المقالات يتبين الدور العظيم الذي نهض به الشيخ المفيد في تحديد معالم مدرسة أهل البيت وفي حراسة الإطار المميز لهذه المدرسة حراسة الذكي اليقظ المصر على حفظ عقائد المدرسة وكلامها من الاختلاط بآية فرقة أو نحلة أخرى .
نفس هذا الهدف ينشده في كتبه الأخرى أيضا ، ولو بأساليب متفاوتة تقريبا . في « الحكايات » مثلا حيث اختص القسم الأكبر برد عقائد المعتزلة في الموضوعات الكلامية المختلفة ، عقد فصلا تحت عنوان :
« اتهام التشبيه » وفيه يقول راوي الحكايات ( ويبدو أنه السيد المرتضى ) :
« » فاني لا أزال أسمع المعتزلة يدعون على أسلافنا : أنهم كانوا كلهم مشبهة . . . وأرى جماعة من أصحاب الحديث من الامامية يطابقونهم على هذه الحكاية ، ويقولون : إن نفي التشبيه إنما أخذناه من المعتزلة « .
ثم يطلب من الشيخ المفيد ( رض ) أن يروي حديثا يرد به على هذه التهمة الباطلة .
والمفيد في الجواب بعد أن يبين جذور هذه التهمة وسوابقها ويذكر أن الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت في رد التشبيه لا تعد ولا تحصى ، يذكر رواية عن أبي عبد الله ( ع ) ثم يقول : « فهذا قول أبي عبد الله ع . . . فكيف نكون قد أخذنا ذلك عن المعتزلة ؟ ! لولا قلة الدين ! ؟ » ( أي لولا قلة الدين عند من يقول هذا الكلام ) ( الحكايات ص 79 - 81 ) . وهذا الاهتمام من الشيخ الكبير في رد تهمة التشبيه والجبر والرؤية عن عقائد الشيعة إنما هو مصداق بارز آخر على دور الشيخ المفيد في الحراسة وفي تثبيت الهوية المستقلة لمدرسة أهل البيت ( ع ) ، وهو ما ندرسه في هذا المبحث .
مما طرحه الشيخ المفيد في كتاب « أوائل المقالات » وسائر كتبه الكلامية مثل : « تصحيح الاعتقاد » و « الفصول المختارة » وغيرها في بيان عقائد التشيع والفارق بينها وبين عقائد الفرق الكلامية الأخرى وخاصة المعتزلة نستطيع أن نستنتج أنه استهدف تقديم نظام فكري منسجم ذي حدود وخصائص واضحة للتشيع . ولا شك أن النقطة الشاخصة المميزة في هذا النظام الفكري هي مسألة الإمامة . أي أن أية نحلة أخرى لا تشترك مع الشيعة في هذه المسألة . والمناط في نسبة فرد أو جماعة إلى مذهب الشيعة هو الاعتقاد بهذه المسألة .
نعم ، الشيعة في كثير من المسائل العقيدية تختلف مع سائر الفرق في روح هذه المسائل ومعانيها أو في بعض فروع وجزئيات هذه المسائل رغم [ وجو ] وجود الاشتراك في العناوين مثل التوحيد والعدل والصفات
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 283
مساهمون: حسن الأمين
ص٢٨٣