هذا الزلل . اللهم إلا أولئك الذين حذوا حذو المستشرقين في أنهم رجعوا أكثر ما رجعوا إلى مصادر استشراقية أو غير شيعية ( 1 ) مما تقدم تتضح أهمية دور الشيخ المفيد في تعيين حدود مدرسة أهل البيت وخصائصها المميزة . هذا النابغة تفهم حاجات زمانه ، واستند إلى مقدرة علمية فائقة ، وورد هذا الميدان الصعب ، ونهض بمهمة على غاية الأهمية والحساسية ، والحق أنه كان على مستوى أداء هذه المسؤولية الكبرى . لا نريد من هذا طبعا أن ندعي عدم وقوع أحد بعد عمل المفيد في خطا أو جهالة في فهم محتوى التشيع ، أو بعدم إمكان وقوعه . بل نرى أن فهم هذه المدرسة ومعرفة حدودها وخصائصها أضحى ميسرا لمن يطلبه ، وأصبح فقه مدرسة أهل البيت وكلامها معروضا أمام الباحثين بخصائصه المتميزة ويستطيعون أن يفهموه دون أن يشتبه عليهم الأمر أو يختلط بنحل أخرى . لتحقيق هذا الهدف الكبير أنجز الشيخ المفيد مجموعة من الأعمال العلمية يستحق كل واحد منها بحثا مستقلا ، ونكتفي بالإشارة إلى فهرس هذه الأعمال في مجالي الفقه والكلام . في الفقه صنف « المقنعة » وهي دورة تكاد تكون كاملة في الفقه ، وفيه نهج الصراط المستقيم والطريق الوسط في الاستنباط الفقهي ، الذي هو مزيج من استخدام الأدلة اللفظية والقواعد الأصولية مع تجنب القياس والاستحسان والأدلة الأخرى غير المعتبرة ( وسنعود إلى هذا الموضوع فيما بعد ) . وكذلك ألف « التذكرة بأصول الفقه » ويمكن أن نقول عنه - بقدر ما نستطيع أن نستند إلى المدونات الموجودة - أنه جمع لأول مرة قواعد الاستنباط الفقهي وأفتى على أساسها ( سنعود إلى الحديث عن هذا الكتاب أكثر ) . وإلى جانب هذا وذاك دون كتاب « الأعلام » وفيه ذكر مواضع من إجماع فقهاء الشيعة على حكم ، وإجماع فقهاء السنة على عدم الإفتاء بذلك الحكم . عدد من أبواب فقه هذا الكتاب بحثت وحققت بقصد نقل الإجماع الموجود فيها . وفي حقل رسم الحدود الفقهية بين فقه الامامية وفقه الحنفية دون كتاب « المسائل الصاغانية » وهو كتاب قيم يجيب فيه المؤلف على إشكالات فقيه حنفي على عدد من مسائل فقه الشيعة . وفي هذا المجال يعتبر كتاب « النقض على ابن الجنيد » من الأعمال العلمية الأساسية للشيخ المفيد ، ويظهر من عنوانه أنه نحا فيه نهج تبيين الخصائص المميزة القاطعة لفقه مدرسة أهل البيت ع . لا يمكننا أن نصدر طبعا حكما قاطعا على محتوى هذا الكتاب لعدم توفره بين أيدينا . ولكن معرفتنا بنهج الشيخ المفيد وحجته القوية في البحث والجدل وسعة اطلاعه على المصادر واستحكام فكره في ترتيب مقدمات الاستدلال العقلي وموقفه الحاسم من الاتجاه القياسي لابن الجنيد ( نرى نموذج ذلك في المسائل الصاغانية ) ( 2 ) . . . كل ذلك يؤدي بنا إلى الاستنتاج بان الكتاب المذكور ذو مضمون ومحتوى علمي مقنع . وكان لهذا الكتاب دون شك تأثير كبير على عدم استمرار اتجاه القياس بين فقهاء الشيعة . كان للشيخ المفيد في مجال تثبيت الهوية المستقلة للتشيع على صعيد علم الكلام نشاط أوسع وأهم . وفي هذا الميدان تصدى شيخنا الكبير بدقة وذكاء إلى بيان الفاصل بين عقائد الشيعة وسائر النحل الكلامية . والحئول دون ورود عناصر من معتقدات الفرق الإسلامية أو الشيعية إلى دائرة عقائد الإمامية ، ودون نسبة أفكار خاطئة لا صلة لها بالشيعة الامامية إلى مدرسة التشيع . فهو في مقام مجادلة المذاهب الأخرى يتصدى لمباحثة كل مدارس زمانه ، فيناقش الأشعرية والمعتزلة والمرجئة والخوارج والمشبهة وأهل الحديث والغلاة والنواصب وغيرها من الفرق الصغيرة والكبيرة المنتسبة للإسلام . . . لكنه يواجه مدرسة الاعتزال وشعبها المعروفة مواجهة فكرية أكثر من غيرها ، ويهتم في كتبه ورسائله الصغيرة والكبيرة العديدة بنقد ورد نظرات المعتزلة في المباحث المختلفة . وسر هذا الاهتمام هو أن المعتزلة من بين الفرق الإسلامية - بسبب وجود تشابه بين بعض أصولهم وبين أصول التشيع - قد تعرضوا إلى شبهة مفادها أن الاعتزال منشا كثير من عقائد الشيعة ، وأكثر من ذلك أن الاعتزال هو التشيع مع بعض الاختلاف . . . وهذه الشبهات أدت بدورها إلى ظن خاطئ يرى أن مجموعة كلام الشيعة وليدة الكلام المعتزلي ، أو إن أصول كلام الشيعة هي نفسها أصول الكلام المعتزلي . وذكرنا من قبل ما ترتب على هذا الظن الخاطئ من تبعات . تناول عقائد المعتزلة في كتب المفيد إنما هو في الواقع مصداق بارز لما ذكرناه من دور الحراسة والمراقبة . لحدود وثغور مدرسة التشيع وإثبات ما لها من استقلال وأصالة في النظام الكلامي . أهم آثار الشيخ في هذا المجال كتابه المعروف « أوائل المقالات في المذاهب والمختارات » وألفه لبيان الفرق بين الشيعة والمعتزلة . ويذكر في مقدمة الكتاب أنه تناول أيضا الاختلاف بين ما اتفقت عليه الفرقتان في بعض المسائل الأصولية كالعدل ، والفرق في فهم كل فرقة لهذه الأصول ( 3 ) عبارة المفيد في هذه المقدمة القصيرة تدل على أن هدفه من تدوين هذ الكتاب تقديم مرجع موثوق عقائدي لمدرسة التشيع تيسر السبيل لمن يريد أن يؤمن بتفاصيل الأسس الفكرية لهذه المدرسة . وهو في هذا الكتاب ينقد حتى عقائد بعض علماء الشيعة الذين سبق أن التقطوا بعض نظرات المعتزلة وشابوا كلام الشيعة بها ومنهم بنو نوبخت . وهذا هو نفس دور حراسة النظام الفكري للتشيع والدفاع عنه ، وهو دور رفع لواءه المفيد رضوان الله عليه لأول مرة على ما نعلم بالتفصيل . ولا ينحصر تعيين الفاصل العقائدي بين الشيعة والمعتزلة بكتاب أوائل المقالات . والشيخ الكبير قد تناول هذه المسألة في كتب أخرى
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 282
مساهمون: حسن الأمين
ص٢٨٢
هامش
( 1 ) ومن الغريب أن مستشرقا في زماننا أيضا كتب في باب الأفكار الكلامية للشيخ المفيد ، وذهب فيه إلى أنه من أتباع مدرسة المعتزلة .
( 2 ) المفيد يطعن في « المسائل الصاغانية » بابن الجنيد ، ويعبر عن أقواله بالهذيان ، ويصفه بعدم سداد الرأي ( راجع المسائل الصاغانية / 62 ) .
( 3 ) فصل ما بين العدلية من الشيعة ومن ذهب إلى العدل في المعتزلة والفرق ما بينهم من بعد وما بين الامامية فيما اتفقوا عليه من خلافهم فيه من الأصول « ( أوائل المقالات / 40 ) .