تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١

الحجة ستتضح وأن طالب الحقيقة سيجد في النهاية مبتغاه . في تاريخ حياة الأئمة ع نرى أسماء أفراد تبرأ منهم الأئمة وطعنوا فيهم بصراحة لاستحداثهم بدعة أو تاسيسهم طريقا خاطئا أو إشاعتهم عقيدة باطلة ، مثل محمد بن مقلاص المعروف بابن أبي الخطاب ، وابن أبي العذافر المعروف بالشلمغاني ( وهذا المورد الأخير حدث في عصر الغيبة الصغرى ) ، وكثير من أمثالهم . ونرى في مواضع أيضا أن اختلافا ينشب بين جماعتين من أصحاب الإمام المخلصين الصادقين ، وتعمد احدى الجماعتين إلى طرد الجماعة الأخرى ولعنها بسبب اعتقاد من معتقداتها ، فينبري الامام للدفاع عن الفرد المطعون فيه أو الجماعة المطعون فيها ، ويمدحها ، وبذلك يؤيد معتقدها ويرد ما ظن بشأن انحرافها . . كتأييد الامام يونس بن عبد الرحمن حين طرده القميون ورووا عنه روايات منكرة ، وإصداره بحقه عبارات ثناء مثل : « رحمه الله ، كان عبدا صالحا » . . . أو « إن يونس أول من يجيب عليا إذا دعا » ( راجع رجال الكشي في ترجمة يونس بن عبد الرحمن ) . وأيضا بشأن أسرة بني فضال ، الذين كانوا مرجعا لطلاب علوم أهل البيت لوثاقتهم وعلمهم ، أصدر الامام عبارة : « خذوا ما رووا وذروا ما دروا » ، وبذلك منع نفوذ معتقدهم الانحرافي ( الفطحية ) بين جماهير الشيعة . . . وأمثال ذلك في موقف الأئمة من أصحابهم المعاصرين كثير . بهذا المنظار ، فان الامام ع في عصر الحضور كان الحارس اليقظ المتنبه الذي حمل بنفسه مهمة الحراسة عن الحدود التي تصون كيان المدرسة . أما في عصر الغيبة ، وخاصة في عصر الغيبة الكبرى فقد اختلفت المسألة تماما . من جهة ثمة احتياجات متزايدة تحتاج إلى اتخاذ موقف ، وهذا الموقف يتخذه في هذه المرحلة علماء الدين لا الامام ع . ومن جهة أخرى هناك اختلاف وجهات النظر التي تبرز بشكل طبيعي بين العلماء والمفكرين ولم يكن لهذه الاختلافات من محور بارز وقاطع يبت فيها . . . وهذا يعني انفتاح الطريق أمام مختلف الآراء هذه ، لا بد أن تجد عناصر من المدارس المنحرفة أو المذاهب التي خرجت عن خط الإمامة الشيعية ، كالفطحية وغيرها طريقا إلى مجموعة مدرسة أهل البيت ع ، مما يهدد نقاءها وإتقانها . . . وقد يؤدي الأمر في المدى البعيد إلى تغيير مسار المدرسة بشكل كامل . ومن هنا يتضح واحد من أهم واجبات قادة الأمة في تلك البرهة من الزمان . النهوض بهذا الواجب يستطيع أن يكون بمعنى صيانة الدين ويعادل الجهاد المصيري . وهذا الواجب عبارة عن تدعيم الخصائص المميزة للتشيع باعتباره نظاما فكريا وعمليا ، ورسم إطاره العقائدي والعملي بالاستمداد مما تركه الأئمة ع من تراث قيم في أقوالهم . وبهذا الشكل يتشخص ما لمذهب أهل البيت ع من هوية مستقلة وخصائص مميزة ، ويتيسر فهمه وتطبيقه لاتباعه . هذا العمل يتيح لعلماء الشيعة ومفكريهم إمكان الفرز بين الانحراف المبدئي أي الخروج عن أصول المذهب في الفقه والكلام ، وبين اختلاف وجهات النظر التي تنشأ داخل اطار المدرسة . مما لا شك فيه أن هذا العمل لم يتم حتى زمن المفيد ( رض ) . ولا أدل على ذلك من وجود اتجاه قياس في فقه ابن الجنيد ، وميول اعتزالية في كلام أسرة النوبخت . وهذان نموذجان فقط لنتائج وتبعات عدم تشخص الخصائص المميزة لمدرسة التشيع في حقل أصول الدين وفروعه . في مجال الفقه ، عدم الاستفادة من المباني العقلية والأصولية للاستنباط وتفريع الفرع على الأصل وهو من التعاليم القطعية للأئمة ع ، وفي الطرف المقابل الانزلاق إلى وادي القياس ، لونان من الانحراف غير العمدي عن نهج المدرسة ونتيجة لعدم تشخص الخصائص وعدم رسم الإطار الواضح . وفي مجال الكلام ، المظهر الأساس الانحرافي الناتج عن عدم تعيين حدود المذهب يتمثل بالخلط بين الكلام الشيعي والكلام المعتزلي . وفي هذا المجال الأخير كانت تبعات عدم تعيين حدود المذهب كثيرة وفادحة . من ذلك : - المتكلمون الكبار المشهورون كافراد أسرة النوبخت كانت لهم في كثير من مسائل علم الكلام اتجاهات اعتزالية ، وكانوا كالمعتزلة في توجههم المفرط إلى العقل في فهم المباحث الكلامية . ثمة شخصيات من كبار الشيعة ادعى المعتزلة انها منهم ، ومنهم العالم المتكلم الشيعي المعروف الحسن بن موسى النوبختي معاصر كبير أسرة النوبختيين أبي سهل إسماعيل بن علي النوبختي وابن أخته ( 1 ) الاعتقاد بإمكان الجمع بين التشيع والاعتزال في شخص واحد ، وتعريف شخصيات معروفة وكبيرة بأنها شيعية ومعتزلة ، وحتى إن بعضهم نفسه قبل هذا الادعاء وكرره واعتقد به . من ذلك قول الصاحب بن عباد : « فقلت : إني شيعي ومعتزلي » بينما المعتقد الذي يميز التشيع هو امامة أهل البيت ع التي لا تقبل أي معتزلي . والمعتقد الذي يميز الاعتزال هو « المنزلة بين المنزلتين » وهو مما يتعارض ويتنافى مع بديهيات التشيع . بعض علماء الشيعة آمن بأصل من أصول المعتزلة الخمسة ، دون أن يعتبره نفسه أو يعتبره أحد أنه معتزلي . محمد بن البشر الحمدوني - مثلا - يقول عنه النجاشي : كان رجلا حسن الاعتقاد ، ويؤمن بالوعيد ( النجاشي / 381 ) . - بشكل عام هناك من اعتقد بان الكلام الشيعي مأخوذ من المعتزلة . واستدل على ذلك بأصل التوحيد والعقل ، وهما - على زعمهم - انتقلا من الاعتزال إلى التشيع . وتكرر هذا الزعم كثيرا في أقوال أرباب الملل والنحل والمتكلمين غير الشيعة منذ القديم حتى العصور المتأخرة ، وهكذا في أقوال من استقوا معلوماتهم غالبا عن مصادر غير شيعية كالمستشرقين . حتى في زمن الشيخ المفيد نفسه ، ظن الصاغاني ( وهو المتكلم والفقيه المعتزلي الحنفي الذي يسميه الشيخ المفيد في « المسائل الصاغانية » بالشيخ الضال ) مثل هذا الظن الباطل بالمفيد إذ يقول مشيرا إلى الشيخ المفيد : إن شيخا في بغداد أخذ أفكاره من المعتزلة يقول كذا وكذا . . . ( راجع : المسائل الصاغانية / 41 ) . الباحثون المتعمقون وكتاب الشيعة بقوا مصونين طبعا من الوقوع في

هامش
( 1 ) تاريخ العلوم الإسلامية ( فارسي ) ، جلال همائي / ص 51 .