صيته العلمي ، فان بغداد ، وهي مركز العالم الإسلامي سياسيا وجغرافيا ، قد أصبحت أيضا مركزا أصليا لعلوم الشيعة ومعارفهم . ولم تعد مرجعا لحل ما يواجه الشيعة من مسائل فكرية ودينية فحسب ( 1 ) بل أصبحت أيضا كعبة لطلاب العلم . لا يتوفر لدينا فهرس كامل بأسماء تلاميذ الشيخ المفيد ، ولا بد أن يكون عددهم أكثر بكثير مما ذكرته كتب التراجم . فما ذكر لا يتجاوز بضع أفراد وجهود المفيد العلمية تواصلت نصف قرن من الزمان . ولكن ثمة قرائن تبين لنا أن حوزة بغداد باشتهار الشيخ المفيد وتحركه العلمي قد احتلت مكانة لم يبلغ شاوها أية حوزة علمية شيعية من قبل . من تلك القرائن : عزيمة نابغة مثل الشيخ الطوسي من طوس إلى بغداد ، وعدم اختياره الحوزات العلمية القريبة من مسقط رأسه أي حوزات خراسان وما وراء النهر ، وعدم توقفه في الري أو قم . ومنها أيضا : عدم اشتهار علماء كبار في تلك الحوزات حتى مدة ليست بالقصيرة . وهذا يعني أن حوزة بغداد قد استوعيت كل العلوم الرائجة في مجموع حوزات التشيع ، وغطت على رونق سائر الحوزات الأخرى في العالم الإسلامي . وظلت حتى ولادة حوزة النجف الأشرف ( سنة 448 أو 449 ) درة التاج بين مراكز الشيعة العلمية . محور هذه الحوزة وربان سفينتها دون شك كان الشيخ المفيد . فهو بنبوغه وكفاءاته الفذة ومساعيه الدائبة ، وباستثمار مكانة بغداد الاستثنائية باعتبارها مركزا سياسيا وجغرافيا للعالم الإسلامي ومحلا لتردد علماء المذاهب المختلفة ، قد نال جامعية منقطعة النظير ، وأصبح قطبا ومحورا وعنصرا متميزا في حوزة بغداد في زمانه . ومما خلفه الشيخ الكبير من آثار علمية ومن سائر القرائن يتضح أن المفيد بؤرة قد التقت فيها بشكل مدهش كل الخصائص التي عرف بها رجال الشيعة حتى ذلك الزمان : فقد اجتمع فيه فقه القديمين وابن بابويه وجعفر بن قولويه ، وكلام ابن قبة وبني نوبخت ، ورجال الكشي والبرقي ، وحديث الصدوق والصفار والكليني ، إلى قدرة الجدل والمقارعة الفكرية القوية ، إلى غيرها من الخصائص البارزة . كان كل واحد من أولئك الرجال - طبعا - مشعلا ينير درب واحد من معارف أهل البيت ، لكن المفيد كان الثريا التي جمعت كل تلك الأنجم الزاهرة . وهذا ما لم نجده في أية شخصية علمية شيعية قبله . وفي تفرده يكفي أن يشهد بحقه ابن النديم ( ت 380 ه ) أنه كان قبل الرابعة والأربعين من عمره ( 2 ) شيخ كل الشيعة في الفقه والكلام والحديث . والذهبي الذي تحدث عنه في تاريخ الإسلام بلغة حاقدة بعيدة عن الموضوعية ، يروي عن ابن أبي طي بشأن المفيد ما يبين أنه كان فريدا في كل العلوم : في الأصولين ، والفقه ، والأخبار ، ومعرفة الرجال ، والقرآن ، والتفسير ، والنحو والشعر . . . وكان يناظر أرباب جميع العقائد ( 3 ) المفيد اجتمعت فيه علوم السابقين متكاملة ، وببركة هذه الشخصية الجامعة المستوعبة الشمولية استمرت الحوزة العلمية لقرون بعده على النمط الذي أسسه وكانت علوم الفقه والكلام والأصول والأدب والحديث والرجال فيها تدرس وتحقق وتتكامل مقترنة ومنسجمة ويكمل بعضها الآخر . وهذه الحوزة نفسها أنجبت في مرحلة ناضجة من مراحلها السيد المرتضى ، وفي قمة كمالها شيخ الطائفة - محمد بن الحسن الطوسي . انطلاقا مما ذكرناه عن عدم وجود سابق نظير لظاهرة الشيخ المفيد وحوزة بغداد في زمانه ، فان المفيد يعتبر حقا مؤسس الحوزات العلمية للشيعة بشكلها الذي تواصل بعده لقرون . أي بالشكل الذي يجعلها مركزا لتدريس مجموعة من العلوم العقلية والنقلية الإسلامية ويجعل من خريجها متبحرا في كل هذه العلوم أو أكثرها . هذا الشكل بقي على الأقل حتى زمن الشهيد الأول ، أي إلى زمن اتجاه أغلب الحوزات نحو الاختصاص بالفقه ومقدماته ، وهذا استمرار لحركة دفعها الشيخ المفيد وحوزته في بغداد حتى سنة 413 . من هنا فلا عجب أن يدعى أن هذه الشخصية الفريدة الممتازة عملت على فتح طريق جديد يمتد على ثلاثة محاور . ونبدأ بتناول الأبعاد الثلاثة في شخصية الشيخ المفيد العلمية :
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 280
مساهمون: حسن الأمين
ص٢٨٠
بعد عصر الغيبة ، وخاصة بعد انتهاء مرحلة الأعوام الأربعة والسبعين من الغيبة الصغرى ، وانقطاع الشيعة عن الامام الغائب أضحى كيان مدرسة أهل البيت تتهدده أخطار منها : نقصان شيء من المدرسة أو زيادة شيء عليها نتيجة الأخطاء والانحرافات العمدية وغير العمدية الصادرة عمن ينتسبون إلى هذه المدرسة . ومنها : ضمور الخصائص المميزة الأساسية للمدرسة وبالتالي اختلاطها بالخطوط المنحرفة ، وامتزاج انحرافات الاتجاهات العقائدية أو المذاهب المفتعلة بالحقائق . في زمن حضور الإمام ( ع ) ، متى ما طرأت ظاهرة كهذه أو ظهرت بوادر خطر ظهورها فان شخص الامام كان المحور والمركز المطمئن الذي تقاس به الأمور وتصدر بعد ذلك الأحكام . بوجود الامام - إذن - بين الناس لم يكتب للانحرافات بقاء ، بل إنه يكشف عن الانحرافات الأساسية في الفترات الحساسة . وكانت الشيعة واثقة أن الخط العام لمدرستها لو تعرض في زاوية من زواياه لانحراف ، فان
هامش
( 1 ) نلفت النظر إلى رسائل الشيخ المفيد وجوابه على أسئلة كانت ترده من أكناف البلاد ، وإلى تنوع هذه الأسئلة وسعة نطاقها وفي بعض هذه الرسائل لا يكتفي الشيخ المفيد بحل ما يطرحه السائل من مشكلة فكرية ، بل يدخل في حلبة مصارعة فكرية وكلامية ، وكأنه من مركزه في بغداد يتصدى للدفاع عن حريم مدرسته ويدافع عن اتباعها أمام هجوم خطر . انظر : المسائل الصاغانية وما فيها من هجوم قوي يصعد فيه معنويات الشيعة المستضعفين في خراسان الذين كانوا يواجهون حملة على حريمهم الفكري . ومن هنا من المحتمل أن تكون الرسائل المكتوبة بأسلوب : « إن قيل فقل » مثل : النكت في مقدمات الأصول ، والنكت الاعتقادية وأمثالها قد دونت لسكنة الأصقاع البعيدة الذين كانوا يتعرضون دوما لضغط أسئلة دينية موجهة وكانوا يطلبون أجوبة كلامية قوية وتوجيهات مناسبة .
( 2 ) كان المفيد المولود سنة 336 لدن وفاة ابن النديم ابن الرابعة والأربعين ، ولا ندري متى ترجم ابن النديم للشيخ المفيد في فهرسته
( 3 ) قول الذهبي هذا جزء من تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ، ولم يطبع بعد ، وما نقل فهو من نسخة يبدو أنها معدة للطبع .