وقال السيد علي الخامنئي رئيس الجمهورية الإيرانية السابق ومرشدها الحالي : إن الشيخ المفيد في سلسلة علماء الشيعة لم يكن متكلما وفقيها متفوقا شامخا فحسب ، بل أكثر من ذلك فهو مؤسس حركة علمية متكاملة في فرعي الكلام والفقه ومتواصلة حتى اليوم في حوزات الشيعة العلمية ، وهذه الحركة لا تزال باقية في خصائصها الأصلية وخطوطها الأساسية رغم عدم انعزالها عن المؤثرات التاريخية والجغرافية والفكرية . وتتبين أهمية هذه المسألة لو لاحظنا أن هذه الحركة العلمية في ما يقرب من نصف قرن بعد وفاة المفيد قد شهدت تحولا وتكاملا سريعا هائلا غطى على الدور التأسيسي للشيخ المفيد . التأكيد الأساس في هذه المسألة على أن النشاط العلمي المتميز الباهر الذي نهض به تلميذ الشيخ المفيد السيد المرتضى علم الهدى ( ت 436 ه ) والذروة الرفيعة التي بلغتها هذه السلسلة في عهد شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي ( 460 ه ) إنما هو امتداد لتلك الحركة التي أسسها ودفعها محمد بن محمد بن النعمان المفيد . ولتوضيح هذه المسألة لا بد أن نبين دور الشيخ المفيد فيما يلي : 1 - تثبيت ما لمدرسة أهل البيت ع من هوية مستقلة . 2 - تأسيس الإطار العلمي الصحيح لفقه الشيعة . 3 - ابتكار أسلوب الجمع المنطقي بين العقل والنقل في الفقه والكلام . الصرح الشامخ الذي شيده فقهاء الشيعة ومتكلموهم على مدى عشرة قرون والكنوز العلمية الفريدة التي قدموها بآثارهم العلمية تقوم بأجمعها على قاعدة أرساها الشيخ المفيد بجهاده العلمي على الأبعاد الثلاثة المذكورة . قبل أن نتطرق إلى الأبعاد الثلاثة يجدر أن نذكر أن ظاهرة الشيخ المفيد والحوزة العلمية الشيعية في بغداد آنذاك لم يسبق لها نظير حتى ذلك الزمان في تاريخ الشيعة . قبل هذا التاريخ كانت حوزات الشيعة العلمية منتشرة طبعا في جميع الأصقاع بين الشامات وما وراء النهر . حوزة « قم » التي كانت المركز الكبير للحديث ووارثة دور « الكوفة » في القرنين الثاني والثالث ، وحوزة « الري » التي نشا فيها الكليني وابن قبة وغيرهما من الأعلام ، هاتان الحوزتان كانتا تعتبران فقط جزء من المراكز العلمية الشيعية . في الشرق ، كانت الحوزة العلمية في ما وراء النهر ومن خريجيها المعروفين العياشي السمرقندي وأبو عمرو الكشي . وفي الغرب كانت حوزة حلب ومنها رجال من أمثال الحسن بن أحمد السبيعي الحلبي وعلي بن خالد الحلبي اللذين يعدان من مشايخ المفيد . وبالحدس المؤيد بالقرائن فان هذه الأصقاع لا بد أنها كانت من المراكز الهامة لعلوم الشيعة ومعارفهم . ونظرة في فهرست مشايخ الكشي تبين أن منطقة خراسان وما وراء النهر ، على بعدها من الحوزات العلمية الشيعية الأصلية ، ربت عددا كبيرا من العلماء والمحدثين ، ومن هنا يقوى الاحتمال بان تلك المناطق كانت إلى جانب الحوزة العلمية مهتمة بتربية وتخريج علماء من هذا القبيل . عشرة من المشايخ المذكورين - على الأقل - منسوبون إلى سمرقند أو كش ( قرب سمرقند ) ، ومثل هذا العدد تقريبا منسوب إلى مدن بخارى ، وبلخ ، وهرات ، وسرخس ، ونيشابور ، وبيهق ، وفارياب ومدن أخرى من ذلك الصقع الإسلامي ( 1 ) مشاهدة كل هذه الأسماء المنسوبة إلى مدن ما وراء النهر وخراسان ، وهم على ما يظهر جميعا أو ما يقرب من الجميع شيعة ، واستبعاد ذهاب شخص من قم أو الكوفة أو بغداد صوب كل هؤلاء المشايخ الخراسانيين والتركستانيين ، لأن ذلك بعيد عن العادة ، يقوي احتمال وجود دار العياشي ( 2 ) في سمرقند لا في بغداد ( 3 ) وهي الدار التي قال عنها النجاشي أنها : « كانت مرتعا للشيعة وأهل العلم » ( 4 ) « وكانت داره كالمسجد بين ناسخ أو مقابل أو قارئ أو معلق مملوءة من الناس » ( 5 ) وهذا يدل أيضا على رواج علوم ومعارف أهل البيت ونشاط الحوزة العلمية الشيعية في تلك المدينة . وفي حلب حيث كثرة الشيعة وحكومة الحمدانيين وهم شيعة ملتزمون بإقامة الشعائر الشيعية ( 6 ) ، كانت توجد دون شك حوزة علمية لا يستهان بها ، ولو أن قربها من العراق وحضور محدثيها وفقهائها في بغداد ثم في زمن الشيخ الطوسي في النجف ، لا يجعلها من الحوزات الكبرى . هذا هو باختصار وضع الحوزات العامية للشيعة خلال العصر الذي انتهى بزمن الشيخ المفيد . حوزة بغداد في ذلك العصر كانت أيضا تتعاطى العلوم والمعارف الإسلامية ، ولكن بظهور الشيخ المفيد وانتشار
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 279
مساهمون: حسن الأمين
ص٢٧٩
ترضي ثراك بواكف متدفق
يروي صداك وقاطر متسلسل
حتى يرى زوار قبرك إنهم
حطوا رحالهم بواد مبقل
ومتى ونت أو قصرت أهدابها
أمددتها مني بدمع مسبل
هامش
( 1 ) جبريل بن أحمد الفاريابي ( فارياب : مدينة بين بلخ ومرو الرود ) ، وكان - كما يقول الشيخ الطوسي - يسكن « كش » ، وإبراهيم بن نصير الكشي ( كش : من قرى سمرقند ) ، وخلف بن حماد الكشي ، وخلف محمد الملقب بالمنان الكشي ، وعثمان بن حامد الكشي ، ومحمد بن الحسن الكشي ، ومحمد بن سعد بن مزيد الكشي ، وإبراهيم بن علي الكوفي السمرقندي ( يبدو أنه هاجر من الكوفة إلى سمرقند ) وإبراهيم الوراق السمرقندي ، وجعفر بن أحمد بن أيوب السمرقندي ، ومحمد بن مسعود العياشي السمرقندي ، وآدم بن محمد القلانسي البلخي ، وأحمد بن علي بن كلثوم السرخسي ، وأحمد بن يعقوب البيهقي ، وعلي بن محمد بن قتيبة النيشابوري ، ومحمد بن أبي عوف البخاري ، ومحمد بن الحسين الهروي ، ومحمد بن رشيد الهروي ، ونصر بن الصباح البلخي و
( 2 ) هذا الاستنتاج أخذ بنظر الاعتبار أن الكشي من تلامذة العياشي وأن الكشي كان من غلمان محمد بن مسعود العياشي كما أوضح لنا سماحة السيد حفظه الله ( المترجم ) .
( 3 ) يؤيد ذلك أيضا أن علي بن محمد القزويني جاء لأول مرة بكتب العياشي إلى بغداد سنة 356 ه ( راجع النجاشي / ص 267 ) .
( 4 ) النجاشي في ترجمة الكشي / ص 372 .
( 5 ) النجاشي في ترجمة العياشي / ص 351 .
( 6 ) المولوي في كتاب المثنوي ينقل قصة شاعر ورد حلب في عاشوراء ورأى المدينة مجللة بالسواد ومعطلة الأسواق ، فظن أن أميرا فيها قد مات . وحين سال الناس قالوا له : يظهر أنك غريب