انحدر به أبوه إلى بغداد وهو بعد صبي ، وبغداد حين ذاك حاضرة العلم ، ومركز الحضارة وعاصمة العالم الإسلامي كله ومهد العلماء ، ومهوى أفئدة المتعلمين . لقبه الرماني ب « المفيد » ، لسبب محاجته المعروفة معه ، وكان المترجم له يقرأ آنذاك على أبي عبد الله الحسين بن علي المعروف ب « جعل » في منزله بدرب رباح . شيوخه وأساتذته يربون على الخمسين ، جلهم من أقطاب المدرسة البغدادية ، في الأدب والفقه والحديث وغيرها . كان شيخنا ، ربعة ( 1 ) ، أسمر ، نحيفا ، قوي النفس ، كثير البر والصدقات ، عظيم الخشوع ، كثير الصلاة والصوم ، حسن اللباس ، يلبس الخشن من الثياب ، دقيق الفطنة ، ماضي الخاطر ، حسن اللسان والجدل ، صبور على الخصم ، ضنين السر ، جميل العلانية . كان له مجلس نظر في داره بدرب رباح ، يحضره كافة العلماء من سائر الطوائف ، يناظر أهل كل عقيدة ، زاره ابن النديم - صاحب الفهرست - في ذلك المجلس وقال عنه : شاهدته فرأيته بارعا . كان مديما للمطالعة والتعليم ، من أحفظ الناس وأحرصهم على التعليم ، يدور على حوانيت الحاكة والمكاتب فيتلمح الصبي الفطن فيستأجره من أبويه . مؤلفاته ومصنفاته ناهزت المائتين أو جاوزتها . وقعت في أيامه اضطرابات وفتن طائفية في بغداد ، وكان من مقتضيات السياسية آنذاك نفيه من بغداد لفترة قصيرة . فمن ذلك ما حدث سنة ( 393 ه ) ، وتكرر في رجب عام ( 398 ه ) . توفي في بغداد ، في العقد الثامن من عمره ، سنة ( 413 ه ) ، وشيعه ثمانون ألفا من الباكين عليه . صلى عليه تلميذه الشريف المرتضى الموسوي ، بميدان الأشنان ، وضاق بالناس على كبره . دفن بداره في بغداد ، ثم نقل إلى مقابر قريش ، فدفن عند قدمي الإمام محمد بن علي الجواد ع ، بجنب أستاذه الشيخ أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه القمي ، صاحب كتاب ( كامل الزيارات ) . رثاه الشريف المرتضى ، وعبد المحسن الصوري وغيرهما من الشعراء ، ومن مرثية مهيار الديلمي له ، التي جاوزت تسعين بيتا قوله :
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 278
مساهمون: حسن الأمين
ص٢٧٨
ما بعد يومك سلوة لمعلل
مني ولا ظفرت بسمع معذل
سوى المصاب بك القلوب على الجوى
فيد الجليد على الحشا المتململ
وتشابه الباكون فيك فلم يبن
دمع المحق لنا من المتعمل
كنا نعير بالحلوم إذا هفت
جزعا ونهرأ بالعيون الهمل
فاليوم صار العذر للفاني أسى
واللوم للمتماسك المتجمل
إلى أن يقول :
يا مرسلا إن كنت مبلغ ميت
تحت الصفائح قول حي مرسل
فلج الثرى الراوي فقل « لمحمد »
عن ذي فؤاد بالفجيعة مشعل
من للخصوم اللد بعدك غصة
في الصدر لا تهوي ولا هي تعتلي
من للجدال إذا الشفاه تقلصت
وإذا اللسان بريقه لم يبلل
من بعد فقدك رب كل غريبة
بكربك افترعت وقوله فيصل
ولغامض خاف رفعت قوامه
وفتحت منه في الجواب المقفل
من للطروس يصوغ في صفحاتها
حليا يقعقع كلما خرس الحلي
يبقين للذكر المخلد رحمة
لك من فم الراوي وعين المجتلي
كم قد ضممت لدين آل « محمد »
من شارد وهديت قلب مضلل
فليجزينك عنهم من لم يزل
يبلو القلوب ليجتبي وليبتلي
ولتنظرن إلى « علي » رافعا
ضبعيك يوم البعث ينظر من عل
إلى أن يقول :
ما إن رأت عيناي أكثر باكيا
منه وأوجع رنة من معول
حشدوا على جنبات نعشك وقعا
حشد العطاش على شفير المنهل
وتنازفوا الدمع الغريب كأنما
الإسلام قبلك أمه لم تثكل
يمشون خلفك والثرى بك روضة
كحل العيون بها تراب الأرجل
ويختم القصيدة بقوله :
رقاصة القطرات تختم في الحصا
وسما وتفحص في الثرى المتهيل
نسجت لها كف الجنوب ملاءة
رتقاء لا تفصى بكف الشمال
صبابة الجنبات تسمع حولها
للرعد شقشقة القروم البزل
هامش
( 1 ) أي مستقيم القامة .