تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
عبد الله بن حبيب في الخزانة المذكورة . ويمكننا معرفة خزانة الخلفاء العباسيين ببغداد من وصف القلقشندي لها بقوله : « إن أعظم خزائن الكتب في الإسلام ثلاث خزائن إحداها : خزانة الخلفاء العباسيين ببغداد فكان فيها من الكتب ما لا يحصى كثرة ولا يقوم عليه نفاسة . . » . هذه نبذة موجزة تبين لنا حال خزائن كتب الخلفاء ببغداد كما تلقي ضوءا على خزائن كتب مدارس بغداد . ولا بد لنا أن نشير إلى خزائن الكتب الخاصة ، حيث كان لأغلب العلماء والوزراء ببغداد خزائن كتب خاصة بهم ، لا مجال لذكرها هنا ولكننا على سبيل المثال ننوه بما ذكره الفخري عن خزانة الوزير ابن العلقمي التي كانت تضم عشرة آلاف مجلد من نفائس الكتب بالإضافة إلى الكتب التي صنفت من أجله كالعباب للصاغاني اللغوي وشرح نهج البلاغة لعز الدين ابن أبي الحديد .

المغول وكتب بغداد :

هناك إجماع في المصادر على استباحة المغول لمدينة بغداد ، واعمال السيف في الرقاب ، ونهب الأموال ، وحرق بعض الأماكن ، وما إلى ذلك من مظاهر الاستباحة والغزو والفتح . والمهم هنا معرفة مصير كتب بغداد وما جرى لها على أيدي هؤلاء الغزاة . فمن أقدم الإشارات إلى ذلك ما ورد في الكتاب المنسوب - اشتباها وغلطا - للمؤرخ ابن الساعي المتوفى سنة 674 هقوله : « ويقال انهم - يقصد المغول - بنوا اسطبلات الخيول وطولات المعالف بكتب العلماء عوضا عن اللبن » ثم ما ورد عند ابن خلدون المتوفى سنة 808 ه‍ ، من أن المغول استولوا على قصور الخلفاء وذخائرها « وعلى ما لا يبلغه الوصف ولا يحصره الضبط والعد ، وألقيت كتب العلم التي كانت بخزائنهم في دجلة وكانت شيئا لا يعبر عنه ، مقابلة في زعمهم بما فعله المسلمون لأول الفتح في كتب الفرس وعلومهم » . كما يذكر القلقشندي المتوفى سنة 821 هعن خزائن كتب الخلفاء ببغداد عند الغزو المغولي بأنها « ذهبت فيما ذهب وذهبت معالمها وأعفيت آثارها » . ويذكر ابن تغرى بردى المتوفى سنة 874 هعن كتب بغداد بأنها أحرقت كما يقول أن المغول « [ بنو ] بنوا بها جسرا من الطين والماء عوضا عن الآجر . ويقول » وقيل غير ذلك « . وهناك نص طريف لمؤرخ مكي توفي سنة 988 أو 991 هجعل فيه بغداد على الفرات وقال : » ورموا كتب بغداد في بحر الفرات وكانت لكثرتها جسرا يمرون عليها ركبانا ومشاة وتغير لون الماء بمداد الكتابة إلى السواد « . هذه أهم النصوص التي تدين المغول - الذين غزوا بغداد سنة 656 ه‍ - بإتلاف الكتب وخزائنها . وسأناقشها بعد أن أشير بايجاز إلى المصادر التي سكتت عن مصير الكتب عند حادثة سقوط بغداد - وقد يفيد السكوت عدم حصول أي حادث للكتب - . فمن أهم المصادر التي سكتت عن هذه المسألة ، الرسالة المنسوبة للخواجة نصير الدين الطوسي المتوفى سنة 672 هوالمرافق لهولاكو عند غزوه لبغداد ، فهو لم يذكر شيئا عن الكتب بينما يذكر نهب المدينة وغزو أموالها . وكذلك فعل رشيد الدين فضل الله المتوفى سنة 718 ه‍ - والذي يعتبر بحق مؤرخ المغول الأول - حيث سكت عن مصير الكتب ، ولكنه ذكر القتل العام والنهب والإحراق والاستيلاء على قصور الخلفاء . كما نلاحظ السكوت أيضا عند اليونيني المتوفى سنة 726 ه‍ . وأبي الفداء المتوفى سنة 732 ه‍ . والذهبي المتوفى سنة 748 ه‍ . وغيرهم من المتأخرين كابن العماد الحنبلي المتوفى سنة 1089 ه‍ . أما المصادر التي أنارت الطريق للكشف عن المسألة ، ففي مقدمتها معجم ابن الفوطي الموسوم بتلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب . حيث يذكر لنا هذا المؤرخ البغدادي المعاصر للحوادث التي نحن بصددها في ترجمة عز الدين بن أبي الحديد ما نصه : « ولما أخذت بغداد كان - يقصد ابن أبي الحديد - ممن خلص من القتل في دار الوزير مؤيد الدين مع أخيه موفق الدين ، وحضر بين يدي المولى السعيد خواجة نصير الدين الطوسي وفوض إليه أمر خزائن الكتب ببغداد مع أخيه موفق الدين والشيخ تاج الدين علي بن أنجب ، ولم تطل أيامه فتوفي رحمه الله في جمادى الآخرة من سنة ست وخمسين وستمائة » . وفي الحوادث الجامعة في سنة 656 : « كان أهل الحلة والكوفة والمسيب يجلبون إلى بغداد [ الأطعمة ] لأطعمة فانتفع الناس بذلك وكانوا يبتاعون بأثمانها الكتب النفيسة . . . » وفيه أيضا أن علي شهاب الدين بن عبد الله عين صدرا في الوقوف وقد عمر جامع الخليفة الذي أحرق أثناء الحادثة ثم فتح المدارس والربط وأثبت الفقهاء والصوفية وصرف لهم رواتبهم لما سلمت مفاتيح دار الخليفة إلى مجد الدين محمد بن الأثير وجعل أمره اليه « وفيه كذلك في حوادث سنة 662 هخبر قدوم نصير الدين الطوسي إلى بغداد لتفقد الأحوال والنظر في الأوقاف والأجناد والمماليك وزيارته لواسط والبصرة وجمعه الكثير من كتب العراق لأجل الرصد . وأكد ذلك ابن شاكر الكتبي الذي يذكر تأسيس الطوسي لرصد مهم بمراغة فيه خزانة كتب مهمة ملأها من كتب بغداد وغيرها من المدن « حتى تجمع فيها زيادة على أربعمائة ألف مجلد » وذكر ابن كثير ذلك أيضا وقال « نقل اليه - يعني الرصد - شيئا كثيرا من كتب الأوقاف التي كانت ببغداد » . وهناك إشارة عند ابن الفوطي إلى سوق الكتب ببغداد سنة 722 ه‍ . كما أن المدرسة المستنصرية قد نجت أثناء حادثة سقوط بغداد « إذ كانت على وضعها حين وصفها ابن بطوطة في سنة 727 همطنبا في تصوير عظمتها ، وقد ذكرها حمد الله المستوفي بعد زمن ابن بطوطة باثنتي عشرة سنة فقال : » ان بناءها من أجمل المباني الباقية ببغداد يومئذ « . ولدى القلقشندي عن أوقاف بغداد ما يفيدنا في فهم مدى أثر المغول في نظم بغداد بعد سقوطها حيث يقول : » وأوقافها جارية في مجاريها لم تعترضها أيدي العدوان في دولة هولاكو ولا فيما بعدها ، بل كل وقف مستمر بيد متوليه ومن له الولاية عليه ، وانما نقصت من سوء ولاة أمورها لا من سواها « . وأخيرا لا بد لنا من الإشارة إلى الغرق الشنيع لبغداد في سنة 654 ه‍ ، وهو قبل حادثة بغداد بسنتين ، ولا بد وانه أدى إلى تلف قسم من كتبها . ولنا الآن بعد ما أوردناه من نصوص أن نناقش الموضوع ، فنقول : أن أهم المصادر الأولية في موضوعنا هذا هي الرسالة المنسوبة للطوسي وكتاب رشيد الدين فضل الله ومعجم ابن الفوطي والحوادث الجامعة