مؤلفاته ابن سينا وقارنت أفكاره بأفكار أرسطو - في كتابها عن ابن سينا . إن ابن سينا عرف في أوروبا قبل أرسطو بمائة وخمسين سنة ونشرت فيها مؤلفاته .
ومن هذا ندرك أن معرفة أرسطو وأفلاطون وسائر فلاسفة ومحققي البلدان القديمة من سبقوا الإسلام ، إنما جاءت من خلال نفوذ الحضارة الإسلامية التي كانت حصيلة جهود جميع علماء الإسلام من كل شعوبه .
وإذا كانت الأسس المنطقية قد حصلت من خلال كشف العلاقة بين الاستقراء والقياس والنسب العقلية لمختلف القضايا ، وبلورت هذه الأسس الفكر البشري في شكل خاص لقرون متمادية واستحوذت على العقول البشرية لفترات طويلة وهي بعد ذلك كله من المفاخر الخالدة لليونانيين ، فليس ثمة شك أن الميثولوجيا أو علم المنهج أو علم استخدام المنطق في العلوم المختلفة أو معرفة الأسلوب الكفيل بتوظيف العقل لاكتشاف العلاقات الموجودة في الطبيعة وكيان الإنسان وجميع المواضيع التي ترتبط بالحقيقات العلمية التي يمكن أن تساهم في تكامل المعارف البشرية وتؤدي إلى معرفة الإنسان لنفسه ولمحيطه وبيئته وإلى النتائج التالية :
1 - زيادة قوة التمييز والتشخيص والتصنيف والتحليل فيما يخص العلاقات بين الظواهر المختلفة .
2 - اتخاذ أسلوب عقلي ونفسي دقيق فيما يتعلق بالظواهر الخاصة التي تخضع للتحقيق .
3 - إيجاد أبعاد جديدة للقدرة البشرية على فك أسرار الخلق . نقول إن الميثولوجيا كانت حصيلة جهود وإتعاب علماء مثل البيروني وابن خلدون - على غرار علم الاجتماع - قبل أن تكون حصيلة جهود أوگست كنت ومساعي البيروني قبل أن يكون حصيلة جهود المحدثين من العلماء .
ونؤكد بان تدوين الميثولوجيا يعد من مختصات حضارة الإسلام وخصوصا أبو الريحان البيروني ، قبل أن يكون من الإنتاجات الفكرية لكلود برنارد ودكارت .
وإذا قارنا حجم المعارف التي أثرت في أوروبا من حضارات اليونان والهند والإسكندرية ، والتي اختلطت مع بعضها في المجتمعات الإسلامية ، وأمكن الوصول إليها في عصر ازدهار هذه الحضارة إذا قارنا هذه المعارف مع تلك التي نقلها الأوروبيون من ثقافات اليونان والهند وغيرها ، رأينا أن الأوروبيين لم يتصلوا بصورة مباشرة بتلك الحضارات إلا من خلال بعض الأسماء القليلة والكتب المحددة .
وإضافة إلى ذلك فان الكثير من الكتب اليونانية قد ضاعت متونها الأصلية ولم يبق منها إلا الترجمة العربية ، ولأجل أن نثبت ذلك بالأدلة القاطعة ، يجدر بنا أن نورد بحثا دقيقا وتفصيلا لذكر تلك الكتب وهذا ما لا يتسع له المجال هنا ، وإذا كانت ثمة اكتشافات جديدة حصلت على أيدي الأوروبيين ، فإنما كان ذلك في مجال الفنون الجميلة والنحت والبناء والفنون المعمارية ، وكل ذلك لم يكن المسلمون يعنون كثيرا في بحثه بحثا علميا ، رغم أن المسلمين أضافوا إلى التراث اليوناني كثيرا فيما يخص العلوم الموسيقية ، حيث تخطى الفارابي اليونانيين في هذا المجال وبرز بصورة تثير الاعجاب .
وإذا طالعنا أسس هذا العلم ( الميثولوجيا ) وقوانينه في البيروني من خلال مجموعة آثاره العلمية ، فلا مناص من إنصافه كأحد المؤسسين لهذا العلم ، حيث كان يحقق ويحلل بمنتهى الدقة في جميع المجالات التي يتناولها العلم الجديد .
وكان يستند في جميع المجالات إلى أقوى الأدلة ، ويعمد إلى النقد والتحليل والمقارنة بين الآراء المتنوعة ، وينتهج الحيادية التامة في الإصغاء إلى هذه الآراء ، ولا يعني باي عقيدة مهما كانت لكون حاملها صاحب نفوذ أو صاحب شهرة ، وكان اهتمامه ينصب على التجربة والمقارنة بين مختلف النظريات معتمدا في ذلك على تحقيقه الشخصي ودقته الكبيرة ، والمراجع المتنوعة ، وهو إلى ذلك يدخل في أعماله هذه المحاسبة وعوامل الزمان والمكان والحرارة والبرودة وسائر العوامل الأخرى التي لها ارتباط مباشر في التغييرات ، وبلغ البيروني في كل ذلك وفي استعمال القوانين الرياضية في القياسات واكتشاف العلاقات بين الظواهر المختلفة وإعطاء التعريفات للأمور التي تشترك فيها العلوم المختلفة ك ( الواحد ) مثلا وكثير من الأمور الأخرى مثل رصد السماء وملاحظة خواص الفلزات والنباتات والتعمق في خصائص الشعوب وقياس الأطوال والأعراض الجغرافية للبلدان وبحث تقاليد وأعراف الناس والتحقيق في أديان وتقاويم وأعياد ومعتقدات الأمم ، أقول قد بلغ البيروني في كل ذلك شاوا بعيدا حتى أصبح ذكره على لسان العامة والخاصة ، وأكثر هذه الأمور هي من أصول الميثولوجيا .
ويشاهد في جميع تصانيفه ومحاسباته وقياساته نوع من روح الوحدة والتنسيق ، ويتبادر لذهن المرء أن البيروني لم يتخصص في مجال معين ، بل نشط في إرساء دعائم الميثولوجيا في جميع العلوم ولم يتوان لحظة في سعيه هذا .
وقد عارض البيروني منطق أرسطو ، وأوضح مواطن الضعف والوهن في هندسة إقليدس من خلال تحقيقاته المتواصلة حولها ، بالرغم من احترامه لها ، وأوجد مقدمات الهندسة غير الأقليدسية التي انتهجها فيما بعد المحقق نصير الدين الطوسي .
وأخضع للتحقيق أساليب الأسلاف مثل الرازي ، واستفاد من النواحي الايجابية منها في إيجاد الطرق الأصولية للعلم ، وأجرى تعديلات على النواحي السلبية منها ، ويمكن أن نتعرف على مدى قدرته وتمكنه من العلوم والأساليب العلمية في التحقيق واستناده إلى الأصول الدقيقة في ذلك من خلال مباحثاته مع ابن سينا وما كتبه الضخمة التي تعد من أكبر النتاجات البشرية ، إلا حصيلة هذه الأساليب العقلائية والعلمائية .
وتظهر أهمية تعريف ( الواحد ) جلية ، إذا عرفنا أن هذا التعريف يدخل في الحسابات التي تعتمدها العلوم المختلفة ، من النجوم والكيمياء وجميع الفروع الفيزيائية مثل السينماتيك والميكانيك والكهرباء ، وحتى الفيزياء الذرية والنووية ، ومن ثم نرى أبا الريحان البيروني يولي هذا التعريف اهتماما خاصا في الباب الثاني من ( التفهيم ) .
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 243
مساهمون: حسن الأمين
ص٢٤٣