نيابا ، وايسيكا ، ودانتا ، ميمانسا وغيرها ولا التعاليم البوذية والجينيسم .
ويختص الفصل الثاني من كتاب ( في تحقيق ما للهند ) في بحث المفهوم الهندي لله . ويذكر البيروني في البداية درس العقائد التي يحملها عامة الناس واتضح له أن هؤلاء العامة يحملون اعتقادات دينية تختلف من مجموعة إلى أخرى ، ثم يضيف بان طلاب العلم لهم القدرة على فهم العقائد النظرية حول الله ، بينما لا يفهم العوام إلا ما يمكنهم الاحساس به وإدراكه . وقد درس البيروني بالتفصيل عقائد الهندوس المتعلمين وعقائد العوام حول الله وأوضح التفاوت فيما بين عقائد الطرفين .
الله :
يعتمد البيروني بصورة رئيسية على ( ودا ) الذي نزل على برهمن ويقول برهمن في ( ودا ) : « اسمه يثبت وجوده ، فحيثما يكون ثمة خبر فلا بد من وجود شيء يتعلق به هذا الخبر . وهو غائب عن الحواس ولا يمكن إدراكه بها ، ولكن الروح تدركه وتحيط بصفاته . الراحة ترافق العبادة الخالصة له ، ويمكن نيل السعادة بمواصلة هذه العبادة » .
ويضيف البيروني قائلا : « يعتقد الهندوس بوحدانية الله وخلوده وأزليته وأبديته ، وأنه قادر ، حكيم ، حي ، محيي ، حاكم ، حافظ ، واحد في ملكوته ومنزه عن كل شبه واختلاف ، وهو لا يشبه أحدا ولا يشبهه أحد » .
ويستند البيروني في آرائه إلى الآثار الدينية والفلسفية للهندوس وينقل عن ( بهاگوادگيتا ) بعضا من البهاراتا ، الفصل العاشر الفقرة الثانية والثالثة :
« لم يبدأ عالمي بالولادة ولا ينتهي بالموت ، ولا أقصد الأجر من وراء أعمالي . وليس لي علاقة خاصة بجماعة من الخلق ، فالصديق واحد والعدو واحد ، وقد أعطيت كل مخلوق قدر حاجته ، ولذلك فان كل من عرف صفتي هذه وسعى إلى الاقتداء بي ، ستطلق رجلاه من القيود ، ويسهل انعتاقه ونجاته » .
وفيما يلي حديث آخر من ( دوا ) نقلا عن نفس الكتاب :
« إن الطمع هو الذي يجعل أغلب الناس يلجئون إلى الله في طلب حاجاتهم . ولكن إذا حققت النظر في عملهم ، سترى أنهم لا يزالون بعيدين عن المعرفة الدقيقة له ، إذ لا يتجلى الله لأحد ، ليتسنى له إدراكه بحواسه ، وإذن فهم لا يعرفونه . وبعض هؤلاء لا يرتقون عما تدركه حواسهم ، وبعضهم أقل شانا من ذلك ، ولكنهم يقفون عند قوانين الطبيعة ، ولا يفقهون أن ثمة أحدا ، لم يلد ولم يولد ، هو فوق كل هذه القوانين ، ولا يطال جوهر وجوده علم أحد ، ويحيط علمه بكل شيء .
ويتحدث البيروني في بحوثه عن الاختلاف الدقيق لمفاهيم أيشور ( مصطلح يعني حاكم العالم ) ودوا ( مصطلح يعني الآلهة المشعة ) وعن استحقاق دوا للحمد والعبادة ولكنه ليس إلها . وينسب البيروني هذا المفهوم إلى أشوت ( شجرة التين المقدسة ) التي تتميز بكون جذورها منتصبة إلى الأعلى وأعضائها نحو الأسفل ، ويشير هذا الوجود النوراني إلى برهمن . ويعتبر استناد البيروني إلى هذه الشجرة صحيحا ، ويشرح البيروني العقائد الموجودة في بهاگوادگيتا ، 10 ، 26 ، 15 ، 1 و 2 و ( كاتها أو بانيشاد 2 و 31 ) .
« يوضح لردشري بها گوان لأرجن بأنه روح جميع الأشياء ووارث كل شيء وكذلك هو المبدأ والمحور والنهاية ، ويمكن تشبيهه بشجرة أشوت التي تتجه جذورها نحو الأعلى وتمتد أغصانها نحو الأسفل .
ونقلا عن المتعلمين فان أيشور هو : « الغني الرحيم ، وهو الذي يعطي ولا يأخذ ، وهؤلاء يعتقدون بان وحدانية الله مطلقة . وبدون وجود الله وجودا واقعيا ، لأن وجود كل شيء يتعلق بوجوده . ويمكن تصور وجوده وعدم وجود الموجودات ، ولكن من المستحيل تصور وجودها وعدمه » .
ويعتقد البيروني بان الله هو العلة الأولية ، أي غاية جميع العلل ، ويضيف بان اليونانيين القدامى يقتربون في هذا المجال من الهندوس ، وكذلك يقترب هذا الرأي من رأي الصوفيين . ويمكن أن يكون ( الله ) هذا هو نفس واجب الوجود لدى ابن سينا .
وبالإضافة إلى ذلك ، يذكر البيروني بان عوام الهندوس الأميين يعتقدون بتشبه الله بالإنسان ، ولكن المتعلمين من الهندوس يرفضون هذا الاعتقاد . ويصف أحد الأميين من عوام الهندوس علم الله ، بأنه ذو ألف عين .
ويضيف البيروني قوله : « . . . وفي أوساط الهندوس ، يجتنب المتعلمون هذه الاعتقادات القائلة بتشبه الله بالإنسان ، بينما يتمسك بها العوام كثيرا ، ويتجاوزون ما ذكرناه إلى ما هو أبعد منه ، فهم ينسبون إلى الله الزواج والابن والبنت وسائر الأحوال الجسمانية ، ولا يتورعون عن الخوض في أمور غير مناسبة حينما يتكلمون عن هذه الأمور » .
ويشير البيروني إلى نظرية الفعل ، فيقول أن الهندوس يختلفون في تعريف الفعل والفاعل . فبعضهم يعتقد بان الله هو مصدر الأفعال وهو علة الأشياء . « ويعتقد البعض الآخر بصدور الفعل عن أسباب أخرى غير الله ، فلكل فعل علة خاصة به ، ويرى آخرون بان اتحاد الفعل والفاعل يتم تحت تأثير الطبيعة ، ولا بد لمثل هذا الأمر أن يتعرض لزيادة أو نقصان ، كما هو حال جميع الأشياء الأخرى . وثمة أفراد آخرون يعتقدون أن الروح هي مصدر الأفعال ، حيث ورد في ( ودا ) : إن كل موجود يستمد وجوده من ( بوروش ) » .
وبعد حديثه عن الاختلاف حول الفعل والفاعل ، يذكر البيروني :
« وكل هذه الآراء غير صحيحة ، فالحقيقة أن الفعل يرتبط ارتباطا وثيقا بالمادة ، لأن المادة هي التي تخلق الروح وتخضعها لظروف شتى ثم تعتقها ، وعلى هذا الأساس فان المادة هي الفاعل وتساهم في إنجاز الفعل جميع متعلقات المادة . وأما الروح فهي ليست فاعل ، لأنها عارية عن مختلف القابليات » .
ويشير البيروني كذلك إلى اللافعل اللاإرادي ( نيسكاما - كارما ) الذي ذكر في ( بهاگوادگيتا ) 3 ، 30 ، 4 ، 21 ، 6 ، 10 .
ويعتبر الهندوس مسألة الخلق أمرا في غاية الأهمية ، على غرار ما هو موجود عند المسلمين والمسيحيين ، وقد تعرض البيروني لبحث مسألة الخلق من وجهة نظر الهندوس ، وأوضح بأنهم ينظرون إلى جميع الخلق