وجود ثلاثة طرق كفيلة ببلوغ ذلك وهي العبادة والمعرفة والسلوك أو الفعل . وهي في الاصطلاح الهندوسي بهاكتي ، جنانا أو المعرفة عن طريق التعلم وغيره و ( كارما ) أو ( كيرايايوگا ) أو السلوك المرافق للأعمال الأخلاقية ومنها ( سانياس ) أو ترك النفس . ويستند البيروني في تأييد ودعم بحوثه إلى الفصل السابع من بهاگوادگيتا . والإنسان سعيد حينما يكون في طلب المعرفة ، والوصول إلى الانعتاق عن طريق المعرفة لا يمكن إلا بالابتعاد عن الشر الذي يمكن تقسيمه إلى ثلاثة أقسام هي الطمع والغضب والجهل . ويشير البيروني إلى طريقة رابعة لتحقيق هذا الهدف وهي التأمل الفكري الذي يسمى ( رساين ) ، ويذكر ( باتانجالي ) كمصدر له في ذلك . ونحن نشك في صحة هذا الاستناد ، إذ لا نجد ذكرا لهذه المسألة في ( يوگاشوتراي باتا نجالي ) الموجود الآن .
المصادر :
وقبل أن نختم مقالتنا هذه يجدر بنا البحث في المصادر التي اعتمدها البيروني في بحثه حول الميتافيزيقيا في الهند . فالبيروني كان في الحقيقة عالما ورجل علم وعمل ، وفي نفس الوقت يثمن ويدرك مدى أهمية المصادر المكتوبة . فقد كان كاي مؤرخ في الوقت الراهن يعتمد المصادر المكتوبة في تأليفاته ، وقد استند إلى الكتب المقدسة لدى الهندوس والمكتوبة باللغة السنسكريتية ، في بحوثه حول الميتافيزيقيا لدى الهندوس .
ومن الطبيعي الا تتوافر لديه جميع هذه المصادر التي يحتاج إليها .
وقد كان على حظ وافر من إجادة اللغة السنسكريتية والقدرة على الاستفادة المباشرة من المصادر الأصلية ، وكما ذكرنا آنفا فقد كان يستند في أغلب بحوثه إلى بهاگوادگيتا ويشنو - يوشوران وسانكهيا ، ويوگاشوترا - ، وقام البيروني بترجمة الكتاب الآخر إلى العربية ولا يزال موجودا في الوقت الحاضر .
وقد أصاب البيروني في بعض ما أخذه من تلك المصادر - كما مر ذكره آنفا - ولكنه لم يذكر - في البعض الآخر - إلا خلاصة لتلك المواضيع وليس الترجمة الكاملة لهما . ولا يمكن العثور على بعضها في المتون السنسكريتية . وأما استناده إلى ( ودا ) فهو ناقص ومبهم ، ويبدو أنه كان على معرفة أكبر ب ( [ أويانيشاد ] اوپانيشاد ) الذي يتصف بالجينية الميتافيزيقية أكثر من غيره . ودون شك فهو لم يكن يستند إلى الأقوال وإنما يستعين بأفضل المصادر التي التي يمكنه الوصول إليها .
وتتميز بحوث البيروني بكونها جديدة تماما ومطابقة للأساليب الحديثة التي يسلكها علماء العصر الحاضر في بحوثهم ، وهو يقارب الرؤى الميتافيزيقية للهندوس برؤى اليونانيين من جهة والصوفيين من جهة أخرى ، ويستند في مقارنته هذه إلى المصادر الأصلية لكلا الطرفين ، حيث كان يجيد اللغتين اليونانية والعربية .
استنتاج :
وفي ختام مقالتنا ، يمكن أن نقول بان البيروني عرض بايجاز وبصورة صحيحة نسبيا المفاهيم الأساسية للميتافيزيقية السائدة آنذاك - في أوساط المتعلمين والعوام في الهند في أوائل القرن الحادي عشر الميلادي . وفي الحقيقة كانت هناك مصادر واسعة ومتنوعة لهذا الموضوع ، لم يكن البيروني مطلعا إلا على القليل منها . وعلى هذا الأساس كانت معرفة البيروني ومعلوماته محدودة في هذا المجال .
ولا بد أن يكون البيروني قد واجه مشاكل ومصاعب جمة في دراسته لهذا الموضوع ، لكونه مسلما أجنبيا في بلاد الهند ، ويبدو واضحا أنه استطاع بقوة ارادته وبشغفه في الإحاطة بهذا الموضوع التغلب على بعض هذه المشاكل .
ويبدو أن البيروني لم يكن يعرف شيئا عن البوذية والجينية ، لاحتمال أن تكون هذه الأديان مجهولة تماما بالنسبة اليه ، وإضافة إلى ذلك ، لم يكن يعرف أي شيء عن النظريات الأساسية لفلسفة الهندوس التي تشكل القاعدة الأساسية للميتافيزيقية لديهم .
وعلى الرغم من وجود هذه النواقص ، فإنه كتب بالعربية بعضا من أروع الصفحات في فلسفة وأديان الهند ، وهي من أفضل وأدق ما كتبه المحققون والكتاب المسلمون في هذا المجال .
ويندر أن نجد في القرون الوسطى مثل الرؤية الموضوعية والمحايدة التي كان البيروني يتصف بها ، وطول باعه في فهم وتفسير الميتافيزيقية لدى الهندوس بالاستناد إلى كتبهم المقدسة .
ويبقى البيروني يحتل موقعا رفيعا بين جميع الذين كتبوا عن تاريخ الفكر في الهند .
البيروني والميثولوجيا
بقلم هوشنك مير مطهري لسنا نقصد هنا أن نكتب عن تاريخ العلم بكثير من الدقة ، أو نشير إلى جميع أعمال البيروني ، وإنما نحاول أن نشير إشارة اجمالية إلى ماضي هذا العلم ومنزلة البيروني في توجيهه نحو مساره الواقعي .
وفي المقدمة ينبغي أن نقول بان الحضارات انتقلت منذ بدء التاريخ من الشرق إلى اليونان ثم انتقلت من جديد من الإسكندرية وأثينا إلى إيران فيما قبل الإسلام ، وعادت مرة أخرى لتنقل من البلدان الإسلامية إلى أوروبا ومن أوروبا إلى بلدان العالم ، وكان انتقال العلوم والثقافات الإسلامية إلى أوروبا عن طريق الحروب الصليبية وعن طريق الأندلس .
وقد انتشر في أوروبا نوع جديد من التحقيق الأكاديمي من خلال العلوم الإسلامية المتطورة ، ويرتكز هذا النوع الجديد على حضارات للبلدان القديمة ذات الثقافات التاريخية الأصيلة ، مثل حضارة الهند وإيران ومصر وسورية وبلاد ما بين النهرين وسومر وأكد وغيرها .
ولو لاحظنا الآثار العلمية القديمة للاحظنا أن علماءنا هم مؤسسو الحضارة القائمة الآن ، وكذلك ينبغي أن ندرك أن نفوذ الحضارة الإسلامية في أوروبا وكذلك انتشار طرق التحقيق الحديثة فيها يعود لبعض العلماء من أمثال محمد بن زكريا الرازي والبيروني وابن سينا وابن الهيثم والخوارزمي وغياث الدين الكاشاني ومسكويه وكثير غيرهم ويظهر مدى التفاوت الكبير بين ما أخذته أوروبا من حضارة إيران والرومان واليونان والهند وسائر الحضارات القديمة وما أخذته من الحضارة الإسلامية .
وقد كتبت السيدة گواشون - وهي محققة فرنسية كتبت الكثير عن