على أنهم مجموعة واحدة ، وتحت عنوان المعقولات يصف الله على أنه العقل الصرف ، والأفراد أو الموجودات المنفصلة على أنها ( دوا بوروش ) العناصر المادية أو الطبيعة على أنها المحسوسات . وهي تشمل أربعة وعشرين جزءا . فالله هو الخالق ، ويعني ذلك أن الطبيعة صادرة عنه ، وفي نفس الوقت توجد عدة نظريات متضاربة فيما بينها حول الخلق ونشوء العالم ، ولكن البيروني لم يتعرض لذكرها . ( 1 ) وتختلف المعتقدات السامية في هذا الشأن عن الاعتقادات الهندية اختلافا تاما ، إذ تعتقد السامية بالخلق الأول والخلق من العدم ، بينما يرى المفكرون الهنود أن لا وجود للخلق الأول وإن الخلق تم من الذرات الأبدية الموجودة مع الله . ويمكننا أن نعتبر ما كتبه البيروني عن المفهوم الهندوسي لله والذي مر ذكره أعلاه ، صحيحا بصورة عامة ، فهو يتعرض بصورة رئيسية لآراء المتعلمين حول الله ، بينما لا يتطرق للبحث في الآراء التوحيدية التي فصلت في ( أوپانيشادها ) وفي ( أدويت ودانتا ) .
الروح :
وينقل البيروني عن ( سانكهيا ) بحثه عن الفعل والفاعل فيما يتعلق بموضوع الروح ، حيث يكتب ما يلي : « ويقول البعض بعدم فعالية الروح وانعدام الحياة في الجسم ، وأن الله الذي هو قائم بذاته ، يخلق موجودا يربط بين الروح والجسم ويفصل بينهما ، ومن ثم فهو الفاعل ، والفعل صادر عنه ، وهو سبب حركة الروح والجسم ، وبناء على ذلك فان الحي القوي هو الذي يحرك الميت والضعيف ( 2 ) والروح أو ( آتمان ) هي فاعل حي ، وتقوم بربط الأفراد بالمادة بسبب فعالية ( كارما ) وهي دائبة للتحرر من الارتباطات الجسمانية . وتحظى الروح بالهداية لما أودعه الله من عقل فيها . ويمكن أن يعرض الله من خلال معرفة ( جنانا ) والفعل الصحيح أو الفعل اللاإرادي الذي هو الطريق إلى ( موكشا ) أو الانعتاق من العبودية الأرضية . وتستمر هجرة الروح هذه حتى يحصل هذا الانعتاق . ويشبه البيروني انتقال الروح من جسد وحلولها في جسد آخر ، بخلع لباس قديم وارتداء لباس جديد بدلا عنه . ( 3 ) ويوضح البيروني عملية انتقال الروح بقوله : تسير الهجرة أو التناسخ سيرا صعوديا من الأسفل إلى الأعلى وليس العكس . ويرتبط اختلاف هذه المراحل صعودا ونزولا ، باختلاف الأفعال ، وهو ناشئ عن التنوع الكمي والكيفي للأمزجة والدرجات التركيبية المختلفة ، وتظهر هذه الأمزجة والدرجات في اختلاف المراحل « . ( 4 ) وتشتاق الروح باستمرار إلى الاتحاد بالبدن ، ومن ثم فهي تتحد مع الأرواح الواسطة ، ومن جانب آخر فان المادة تسعى أيضا للاتصالات والاتحاد مع الروح . « وتوجد المادة مع الإمكانيات المتعلقة بالروح . ويشبه الهندوس المادة أو ( براكيتي ) بالراقصة التي تجيد فنها وتعلم تأثير كل حالة أو حركة تؤديها « . ( 5 ) ويتعرض البيروني للحديث عن الروح والمادة والعقل بقوله : « يعتقد الناس بشبه الروح بماء المطر الذي ينزل من السماء ، فهو دائما بهذه الصورة وله نفس الماهية . ولكنا إذا ما وضعناه في آنية ، كآنية الذهب والفضة والزجاج والطين والتراب فان شكله الظاهري وطعمه ورائحته ستتغير ، وعلى هذا الأساس لا يكون للروح أدنى تأثير على المادة ، اللهم إلا منحها الحياة للاتصال القريب الذي يحصل بينهما . ويمكن تشبيه التعاون بين الروح والجسد بمساهمة الزيت الجديد والفتيلة الجافة وشعلة النار في إيجاد النور ، والروح في المادة كالحصان مع العربة ، فهو يمتلك الحواس ويسير العربة كما يشاء ، ولكن الروح تسير بدورها من قبل العقل ، ويستمد العقل إلهامه من الله . وهؤلاء يصفون العقل بأنه الشيء الذي تدرك حقيقة الأشياء به ، فهو طريق معرفة الله ويشتمل على الأفعال الحميدة » . ( 6 ) ويعني ( موكشا ) أو انعتاق النفس ، التحرر من الوجود الأرضي أو ( سامسارا ) وإنهاء الارتباط بين النفس والبدن ، ويمكن مشاهدة مثل هذا الاعتقاد في التعاليم الصوفية ، ولا يعطي مفهوم ( موكشا ) معنى ارتقاء النفس بصورة دقيقة ، على الرغم من إشارة البيروني - كما يبدو - إلى نظرية انفصال النفس عن البدن . ويتحدث البيروني عن وجود طرق مختلفة للوصول إلى ( موكشا ) . وقد ورد هذا المفهوم ( موكشا ) في الفصل الرابع من بهاگوادگيتا و ( يوگاشوتراي باتانجالي ) على أنه المعرفة والعبادة والابتعاد عن النفس .