تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧

شعره . فلنحاول الآن الاستعانة بما ورد في التراجم عن حياته ، وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق بأواخر أيام حياته والمعلومات التي تتحدث عن حياة هذا الشاعر في العهد التيموري ، فقد ورد في تذكرة الشعراء لدولت شاه ما يلي : « . . . كان مولانا قليل الالتفات إلى الدنيا ، ولذلك كان يقال عنه انه ضعيف الطالع . . . وكان ظهور مولانا في عهد حكومة الخاقان الكبير . . . الأمير تيمور گورگان أنار الله برهانه ، فنظم قصائد غراء في مدح الأمير المحترم أميران شاه بن تيمور گورگان . . . فشمله أميران شاه بلطفه وعنايته ومن عليه بصلاته ، وكان مولانا ينفق المال بفترة قصيرة ثم يخيم عليه الفقر ، وفي أواخر عمره وغاية شيخوخته انتقل مولانا من مدينة نيسابور إلى قرية اسفريس ( 1 ) المشهورة بموقع أثر قدم الإمام الرضا عليه التحية والثناء ، وكان له هناك بستان فاشتغل فيه ولم يكن يخالط الناس إلا قليلا . وذات يوم تجمع عدد من الأصدقاء وذهبوا إلى زيارة مولانا ، فرأوا باب حجرته مغلقا ، فطرقوا الباب وألحوا فلم يجب ، فظنوا أنه لم يجبهم عن قصد ، فصعد أحدهم إلى سطح الدار فرأى مولانا في حالة سجود ، فنزل وفتح الباب للأصدقاء فدخلوا ، ولكن مولانا لم يرفع رأسه ، فنهض أحدهم ورفعه عن الأرض فرأى أنه قد فارق الحياة ، فبكوا عليه بكاء مرا ، ثم أجروا عليه مراسيم الإسلام ودفنوه في موقع قدم الامام المعصوم ( ع ) . وكان ذلك في عام ستة عشر وثمانمائة ( 618 ه‍ ) حيث كان مولانا قد بلغ الغاية من الشيخوخة » . وقد أشار تقي الدين إلى مقامات لطف الله في السلوك وخلص إلى القول : « الأجرم أن الكثير من الناس يعدونه من جملة الأولياء ويعتبره عدد كبير من الخواص والأكابر من خيرة العرفاء . وأوردوا ضمن حديثهم عنه انه لم يلتفت إلى الدنيا طوال حياته وكان منشغلا أغلب الأوقات بالطاعات والعبادات ، وإذا كان يشتغل في النظم أحيانا ، فلا يشغل باله إلا الحديث عن مناقب خير المرسلين وامام المتقين » . والحقيقة أن جميع إشارات دولت شاه وتقي الدين إلى مقامات لطف الله الروحانية العالية وتركه الدنيا واعراضه عن الشعر إلا في الحديث عن مناقب الرسول والأئمة لا نرى لها صحة من خلال استقراء حياة الشاعر وقصائده ، اللهم إلا في السنوات الأخيرة من عمره . وأما حديث أصحاب التراجم عن ضعف طالعة وسوء حظه فلربما كان اعتمادا على شكاوى الشاعر من حظه وطالعة ، وليس غريبا أن تحاك الأساطير حول شاعر معين اعتمادا على بعض شعره ، كما نرى ذلك في القرون الأخيرة . والأمر الذي يضيفه تقي الدين إلى حديث المتقدمين هو قصة العشق التي يرتبط بها مولانا ، وهي من قبيل قصص الحب التي تحاك حول الشعراء والعجيب أن تقي الدين يربط هذه القصة بقصة ( ضعف الطالع ) ويخلطهما مع بعضهما . . . ثم يقول بعدها : وصل مولانا لطف الله بعد ذلك إلى حالة الانجذاب ، فاعرض عن الدنيا إعراضا تاما ، فكان أحيانا يعيش حافي القدمين حاسر الرأس والأطفال يتعقبونه ويشتمونه . . . « . ولست أدري إذا كان المرء قد عاش حالة الانجذاب وأعرض عن الدنيا وما فيها كيف يمضي عمره إلى ما قبل وفاته بفترة قصيرة في مدح السلاطين وعرض فنه عليهم في سبيل نيل زخارف الدنيا ؟ وإذا كان الشخص يمشي في الأزقة حافي القدمين حاسر الرأس ويتحول إلى ألعوبة بيد الصبيان فكيف يطلب العزة في البلاطات ويبتغي شرف ملازمة الملوك ؟ ! من هنا نرى أن قول أمين أحمد الرازي أقرب إلى الواقع حينما قال : « انقطع ( الشاعر لطف الله ) في آخر عمره عن الناس ، وأقام في [ اسفريز ] اسفريس حتى وفاته » . ذكر دولت شاه وتقي الدين ان وفاته كانت عام 816 هوهو موافق للعام التاسع من حكومة شاه رخ الذي مدحه لطف الله في عهد سلطنته ، وحين نعلم أن الشاعر قد اعتزل الناس في أواخر حياته وترك مدح السلاطين فان هذا العام يكون صحيحا كعام وفاته لكي تكون لديه الفرصة للاعتزال ، ولكي يمكن الاعتقاد بصحة اعتزاله . ويبدو أن ما ورد في مجالس المؤمنين والخزانة العامرة من أن وفاته كانت في عام 810 ههو أمر مستبعد . وأما ما ذكره هدايت من أنه توفي عام 786 هفهو من الخطا والابتعاد عن الصواب بدرجة لا نرى معها ضرورة لمناقشته وتفنيده . وأما بخصوص شعره فقد نقل تقي الدين الكاشي في خلاصة الأشعار ما يقرب الثمانمائة بيت للطف الله النيسابوري . وذكر الأستاذ سعيد النفيسي ان ديوانه كان يشتمل على ما يقارب الأربعة آلاف بيت . وإلى الآن لم أر هذا الديوان ، إلا أن الشعر الذي نقله تقي الدين يمكن أن يعرفنا بالكثير من الأمور حول حياة وطريقة شعر الشاعر ( لطف الله ) ويجعل الحكم على شعره أمرا ممكنا . ركز الشاعر لطف الله على القصائد ، فكان مقتدرا في هذا المجال حتى أنه يعد خليفة لشعراء القصائد الخراسانيين مع بعض الاختلافات التي تكون نتيجة طبيعية لمرور الأيام والتحول التدريجي في اللغة . ولو قارنا قصائده مع قصائد ابن يمين لرأينا أن الاثنين يقتربان كثيرا من بعضهما ، فلطف الله يسير على خطى أستاذه الكبير في سهولة القصائد وسلاسة التعبير ، مخالفا بذلك ناظمي القصائد في القرنين السابع والثامن من اتباع الخاقاني وسلمان الذين يعتمدون التكلف والتصنع ، فلطف الله لم يجهد نفسه في تكلف شعر مصطنع ، غريب الوزن ، مغلق المعاني ، انما سلك طريق فصحاء خراسان في سلاسة التعبير وقوة المعنى . وحينئذ نستغرب قول دولت شاه ومن نحا منحاه من أصحاب التراجم حين زعموا أن الشاعر لطف الله كان أستاذا في الشعر الصناعي المتكلف ، ولكن ربما اعتمدوا في قولهم هذا على رباعية ضمنها الشاعر صناعات الشعر . وإلى جانب القصائد التي نظمها مولانا لطف الله في مدح السلاطين . نظم أيضا قصائد عديدة في الثناء على الله تعالى وذكر مناقب الرسول ( ص ) وعلي بن أبي طالب ( ع ) والأئمة الأطهار ولا سيما علي بن موسى الرضا ( ع ) ، وقصائد في النصح والموعظة ، ومن خلال القصائد التي نظمها في ذكر مناقب الأئمة يمكن معرفة تشيعه ، بل إنه وصف تيمور بأنه ملجا ( آل أبي الحسن ) أي آل علي . بل أن القاضي نور الله أورد اسمه وترجمته ضمن شعراء الشيعة ويمكن معرفة مكانة

هامش
( 1 ) وردت أسفراين في طبعة طهران .
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 227 | حسن الأمين