وكذلك ، فإننا نلمح أثر الإسلام وتعاليمه واضحين في قصيدته التي يدعو فيها قومه إلى دخوله فيما دخل ، واعتناقهم الهدى ( الذي اعتنقه ) وهي قصيدة تظهر تحولا من نوع آخر ، تحولا يدعو إلى نبذ العصبية وطرح الخلافات الذاتية والعرقية ، والمسارعة إلى البر والتقوى وعمل الخير ، كما يدعو أيضا وهو الأهم في نظرنا إلى التكاتف والوحدة ، لأن هناك مسؤولية جديدة تقع على عاتق المسلمين ، وهي مسؤولية بناء الحياة الإسلامية الجديدة التي أحس كعب بعد ايمانه ، بأنها ستكون مسؤولية العرب الوحيدة ، والتي يجب أن تتضافر على حملها كل الجهود البناءة والسواعد المؤمنة حتى ينعم الناس بنور الايمان ، وهداية الرحمن ، يقول كعب ( 1 ) :
ويستمر كعب في هذا التحول ، فإذا الحرب التي كانت في الجاهلية عبثية في أكثرها ، ولا تستهدف الا الغزو والسلب والغنائم ، يتغير مفهومها لديه بفعل الإسلام ، وتتحول إلى حرب جهادية غايتها [ رصى ] رضى الله ، وغنائمها أجره وثوابه ، أما أولئك المخالفين لرسول الله ( ص ) ، فلن يحصدوا في النهاية إلا الحسرة والندم ، فالله وعد رسوله بالنصر وإظهار دينه على الناس ولو كره المشركون ، كما وعد الكافرين بالخزي وعذاب السعير ، يقول كعب ( 2 ) :
أما شعره الحكمي الذي قلنا : انه مقطوعات صغيرة ، فيبدو أن أثر الإسلام في معانيه أشد وضوحا وأكثر إبانة ، بل ونرى فيه كعبا يستفيد من تعاليم دينه ، ويستمد منه ما يخفف به عن نفسه غير الدهر وصروفه الموجعة التي آلمت قلبه ولوحته بنيران الفاقة والهم ، فإذا شعره يتحول إلى كلمات زادها الإسلام شمولية ورسوخا ، وإلى نفثات خالدة ينفثها كل من يكابد من دهره ما كابده كعب ، ويتوجع من أوصافه مثل ما توجعه ، فهي مستلة من الذات ، ومشبعة بروح الايمان الداعي إلى الصبر على البلاء ، تناسب في نغم يحاكي وقع المطر ، وخفقان النبع الذي لا يصمت عن الدفقان ، يقول كعب ( 3 ) :
فالتعاليم الإسلامية في هذا الشعر واضحة كل الوضوح ، وهي تشعرنا كيف يسلم كعب بقضاء الله وقدره ، كما تشعرنا مدى تغلغل الإسلام في نفسه حيث استطاع كما نرى أن يقضي على ما فيها من نزعات جاهلية ، ويحول نقمتها على الحياة إلى أمل بعطاء الله وفرج قريب من رحمته الواسعة ، وهكذا كان كعب في كل أشعاره الإسلامية يوكل أمره إلى الله الذي هو وحده يتكفل بأمر العباد ، ويمن عليهم بالرزق والنعمة والإفضال ، يقول كعب ( 4 ) :