تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
الباذلين نفوسهم لنبيهم يوم الهياج وسطوة الجبار والذائدين الناس عن أديانهم بالمشرفي وبالقنا الخطار يتطهرون كأنه نسك لهم بدماء من علقوا من الكفار وإليهم استقبلت كل وديقة شهباء يسفح حرها كالنار وكسوت كاهل حرة منهوكة بالفجر حاريا عديم شوار

وكذلك ، فإننا نلمح أثر الإسلام وتعاليمه واضحين في قصيدته التي يدعو فيها قومه إلى دخوله فيما دخل ، واعتناقهم الهدى ( الذي اعتنقه ) وهي قصيدة تظهر تحولا من نوع آخر ، تحولا يدعو إلى نبذ العصبية وطرح الخلافات الذاتية والعرقية ، والمسارعة إلى البر والتقوى وعمل الخير ، كما يدعو أيضا وهو الأهم في نظرنا إلى التكاتف والوحدة ، لأن هناك مسؤولية جديدة تقع على عاتق المسلمين ، وهي مسؤولية بناء الحياة الإسلامية الجديدة التي أحس كعب بعد ايمانه ، بأنها ستكون مسؤولية العرب الوحيدة ، والتي يجب أن تتضافر على حملها كل الجهود البناءة والسواعد المؤمنة حتى ينعم الناس بنور الايمان ، وهداية الرحمن ، يقول كعب ( 1 ) :

رحلت إلى قومي لأدعو جلهم إلى أمر حزم أحكمته الجوامع ليوفوا بما كانوا عليه تعاقدوا بخيف منى والله راء وسامع سادعوهم جهدي إلى البر والتقي وأمر العلا ما شايعتني الأصابع فكونوا جميعا ما استطعتم فإنه سيلبسكم ثوب من الله واسع وقوموا فاسوا قومكم فاجمعوهم وكونوا يدا تبني العلا وتدافع

ويستمر كعب في هذا التحول ، فإذا الحرب التي كانت في الجاهلية عبثية في أكثرها ، ولا تستهدف الا الغزو والسلب والغنائم ، يتغير مفهومها لديه بفعل الإسلام ، وتتحول إلى حرب جهادية غايتها [ رصى ] رضى الله ، وغنائمها أجره وثوابه ، أما أولئك المخالفين لرسول الله ( ص ) ، فلن يحصدوا في النهاية إلا الحسرة والندم ، فالله وعد رسوله بالنصر وإظهار دينه على الناس ولو كره المشركون ، كما وعد الكافرين بالخزي وعذاب السعير ، يقول كعب ( 2 ) :

صبحناهم بألف من سليم وألف من بني عثمان وألف رميناهم بشبان وشيب تكفكف كل ممتنع العطاف ورحنا غانمين بما أردنا وراحوا نادمين على الخلاف وأعطينا رسول الله منا مواثيقا على حسن التصافي فجزنا بطن مكة وامتنعنا بتقوى الله والبيض الخفاف أردوا اللات والعزى إلها كفى بالله دون اللات كاف

أما شعره الحكمي الذي قلنا : انه مقطوعات صغيرة ، فيبدو أن أثر الإسلام في معانيه أشد وضوحا وأكثر إبانة ، بل ونرى فيه كعبا يستفيد من تعاليم دينه ، ويستمد منه ما يخفف به عن نفسه غير الدهر وصروفه الموجعة التي آلمت قلبه ولوحته بنيران الفاقة والهم ، فإذا شعره يتحول إلى كلمات زادها الإسلام شمولية ورسوخا ، وإلى نفثات خالدة ينفثها كل من يكابد من دهره ما كابده كعب ، ويتوجع من أوصافه مثل ما توجعه ، فهي مستلة من الذات ، ومشبعة بروح الايمان الداعي إلى الصبر على البلاء ، تناسب في نغم يحاكي وقع المطر ، وخفقان النبع الذي لا يصمت عن الدفقان ، يقول كعب ( 3 ) :

لو كنت أعجب من شيء لأعجبني سعي الفتى وهو مخبوء له القدر يسعى الفتى لأمور ليس يدركها والنفس واحدة والهم منتشر والمرء ما عاش ممدود له أمل لا تنتهي العين حتى ينتهي الأثر

فالتعاليم الإسلامية في هذا الشعر واضحة كل الوضوح ، وهي تشعرنا كيف يسلم كعب بقضاء الله وقدره ، كما تشعرنا مدى تغلغل الإسلام في نفسه حيث استطاع كما نرى أن يقضي على ما فيها من نزعات جاهلية ، ويحول نقمتها على الحياة إلى أمل بعطاء الله وفرج قريب من رحمته الواسعة ، وهكذا كان كعب في كل أشعاره الإسلامية يوكل أمره إلى الله الذي هو وحده يتكفل بأمر العباد ، ويمن عليهم بالرزق والنعمة والإفضال ، يقول كعب ( 4 ) :

أعلم أني متى ما يأتني قدري فليس يحبسه شح ولا شفق بينا الفتى معجب بالعيش مغتبط إذا الفتى للمنايا مسلم غلق والمرء والمال ينمي ثم يذهبه مر الدهور ويفنيه فينسحق فلا تخافي علينا الفقر وانتظري فضل الذي بالغنى من عنده نثق أن يفن ما عندنا فالله يرزقنا ومن سوانا ، ولسنا نحن نرتزق
ويمضي كعب في أشعاره محملا لها ما شاء من تعاليم الإسلام التي
هامش
( 1 ) ديوان كعب ، ص 82 - 83 .
( 2 ) المرجع نفسه ، ص 179 - 180 .
( 3 ) ديوانه ، ص 167 .
( 4 ) ديوانه ، ص 166 .
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 224 | حسن الأمين