وأبيات أخرى ، تصف همه وقلقه وخوفه واستسلامه لحكم الله ، لما أمكننا أن نميز معانيه المدحية ونعوته الوصفية ، عن شاعر كالنابغة وهو يعتذر إلى النعمان ويطلب عفوه وصفحه . وهكذا نجد كعب في كل شعر نظمه قبل الإسلام يسير على السنن المرسوم دون أي إخلال بنهجه وصواه ، ولكننا لا نريد أن نظلم الرجل أو نبخسه حقه لأنه لم يستطع أن يحقق لنا تلك الفرادة المستحبة في الشعر ، فهو والحق يقال : كان في شعره على قدر كبير من الإجادة والإحاطة التامة بتفاصيل الموصوف الظاهرة التي لم يحاول تبطنها ، واكتفى منها بالرسم الخارجي لها مختارا كل العبارات التي توائم المعنى ، وتساعد على إبراز الموصوف وإحضاره أمام مرآة العين في أثواب قشيبة وخطوط جذابة تصور بدقة كل مكوناته المادية المحسوسة ، حتى يبدو لك الشاعر في عمله نحاتا أصيلا يصنع للموصوف تمثالا يظهره بكل دقائقه كما هو دون أن يمزج فيه مشاعره ويسكب في تلافيفه نغم الحياة وصوتها الشجي المتحرك ، ويشير الدكتور بستاني إلى تلك الظاهرة فيقول : « إنما شعره في أكثرها تصوير دقيق يسمو إلى درجة عالية من الصناعة ، بل من الفن أحيانا ، ولا عجب ، فهو ابن زهير وتلميذه ، وأحد أفراد ذاك المذهب التصويري المادي الذي بدأ باوس بن حجر زوج أم زهير ، وبلغ أوجه مع زهير والنابغة ، وكان من ممثليه شاعرنا كعب والحطيئة كما قدمنا ، وليس من حاجة بهذا المذهب إلى كثير من الشعور الرقيق السيال ، وان كان الشعور يمده رونقا وتشخيصا وحياة تزيد في قيمته ، إنما حاجته خاصة إلى الصبر في تتبع الموصوفات واختيار مواد التشبيهات ، وإلى التعقل في التنسيق والتأليف وتنخل التعابير ، وتثقيف القوافي وإلى قوة الخيال أيضا » . ( 1 ) وسواء بعد الذي سمعناه ، أكان كعب في عداد شعراء المدرسية الأوسية ، أم كان في غيرها ، أو هو تأثر بابيه أو بالنابغة أو بغيرهما من الشعراء ، فهو في نظرنا شاعر اكتملت مقومات الشاعرية عنده رغم انه لم يستطع أن يخرج عن اطار بيئته التي ظلت تشده إليها بحبال قوية وثابتة ، فنظم على منوال ما نظم معاصروه ، فكان علما بارزا منهم ، تأثر بما تأثروا ، وانتهج ما انتهجوا ، بل ونراه في بعض الموضوعات كوصف الصحراء وطرقها وحيواناتها قد تفوق على أكثرهم ، وكان أكثر دقة وتفصيلا ، وأكثر اختيارا واستيفاء ، وحسب كعب في هذا المجال انه صفى شعره من الشوائب ، وتنخل له أنسب الكلمات ، وألم بموضوعه كل الإلمام الذي يصور المشاهد بريشة فنان متقن ، وينقلها نقلا دقيقا لا غبار عليه ولا شبهات ، فكان تلميذا بارعا لأبيه ، وشاعرا معتزا بالسير على منواله ، يقول كعب ( 2 ) :
أما شعره الذي نظمه بعيد إسلامه ، فإنه وان كان لا يختلف في نهجه فيه عن المسار العام الذي لم يتجاوزه إلا في القليل النادر ، مثله في ذلك مثل كل الشعراء المخضرمين الذي لم تستطع التغيرات الجديدة أن تدفعهم عن مسارهم وتخرجهم عن سننهم ، ذلك لأن الأحداث الأدبية والتغيرات السياسية التي يشهدها المجتمع « لا تلتقي دائما وأن أزمان حدوثها لا تتلاقى كما يقول الدكتور هداره ( 3 ) بامكاننا أن نلمح في شعره تحولا ليس جذريا ، ولا هو يشكل انقلابا كليا على الذي سميناه التزاما من قبل منه ، هذا التحول يمكن أن ندركه في المعاني الجديدة التي اهتدى إليها بعيد إسلامه ، فقد وسع الإسلام مدارك عقله وآفاق خياله ، وطرائق أساليبه ، وأمده بأشياء كثيرة كان يفتقدها بل ويجهلها ، ولم يكن بوسعه معرفتها لولا ذلك الاطلاع على القرآن الكريم وعلى تعاليم الإسلام ومكوناته السامية ، ولذلك صار كعب في شعره بعيد الإسلام أعمق فكرا وأشمل نظرا وأبعد رؤى وتطلعات ، فللثقافة أثر كبير على الشعراء ، لأن الشاعر الأوسع ثقافة والأشمل معرفة هو الأجود عطاء والأبعد خيالا والاسمي صورا وتعابير ، وباستطاعتنا أن نلمح بداية ذلك التحول عند كعب في قصيدته التي يمدح بها الأنصار ، فهي تبدو وكأنها تخرج في مسارها على السنن التقليدي ، إذ يستهلها استهلالا مغايرا لاستهلال قصيدته في مدح النبي ( ص ) والتي قلنا إنها كانت جاهلية بمسارها ونهجها ، وان الرجل قد جاء إلى الرسول عليه الصلاة والسلام حاملا معه إرث الجاهلية ونهجها المتبع ، ولكنه في مدحه الأنصار نراه يخلع ذلك النهج وكأنه رأى فيه تكرارا مملا أو إرثا قديما لا يتناسب مع طبيعة العقيدة الجديدة التي آمن بها طائعا مختارا ، بل وتائبا من قديمه الذي ألحق به الضرر وكاد - لولا رحمة الله - أن يودي به ، لذلك نراه فيها يخرج من طبيعته الأولى ، ويخاطب الأنصار في شعر جميل يحمل لأول مرة معارفه الجديدة ومكتسباته الايمانية الحديثة العهد ، ويكاد يتحلل فيه إلى حد ما من قيوده الماضية ، ويخلع عنه رداء التقليد الممل ، لولا ذلك التخلص اللبق في نهايتها إلى موضوع هو من قديمه ، ظل يشده الحنين اليه فحمله بعد اجهاد على وصف الناقة دون إكثار ، يقول كعب :