تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
الحياة الإنسانية ومعتقداتها بوجه عام ، وظل تأثره عرضيا بالدعوة الإسلامية وتعاليمها ، قصاراه أن محمدا نبي من أنبياء الله ، وسيف من سيوفه المسلولة ، العفو عنده مأمول ، والوعد لديه منجز ، والتوبة في حضرته مقبولة ، فهو كالأسد قوة وهيبة أصحابه له سامعون ، ولأمره منفذون ، فلولا قوله :
مهلا هداك الذي أعطاك نافلة القرآن فيها مواعيظ وتعصيل
أو قوله :
إن الرسول لنور يستضاء به مهند من سيوف الله مسلول

وأبيات أخرى ، تصف همه وقلقه وخوفه واستسلامه لحكم الله ، لما أمكننا أن نميز معانيه المدحية ونعوته الوصفية ، عن شاعر كالنابغة وهو يعتذر إلى النعمان ويطلب عفوه وصفحه . وهكذا نجد كعب في كل شعر نظمه قبل الإسلام يسير على السنن المرسوم دون أي إخلال بنهجه وصواه ، ولكننا لا نريد أن نظلم الرجل أو نبخسه حقه لأنه لم يستطع أن يحقق لنا تلك الفرادة المستحبة في الشعر ، فهو والحق يقال : كان في شعره على قدر كبير من الإجادة والإحاطة التامة بتفاصيل الموصوف الظاهرة التي لم يحاول تبطنها ، واكتفى منها بالرسم الخارجي لها مختارا كل العبارات التي توائم المعنى ، وتساعد على إبراز الموصوف وإحضاره أمام مرآة العين في أثواب قشيبة وخطوط جذابة تصور بدقة كل مكوناته المادية المحسوسة ، حتى يبدو لك الشاعر في عمله نحاتا أصيلا يصنع للموصوف تمثالا يظهره بكل دقائقه كما هو دون أن يمزج فيه مشاعره ويسكب في تلافيفه نغم الحياة وصوتها الشجي المتحرك ، ويشير الدكتور بستاني إلى تلك الظاهرة فيقول : « إنما شعره في أكثرها تصوير دقيق يسمو إلى درجة عالية من الصناعة ، بل من الفن أحيانا ، ولا عجب ، فهو ابن زهير وتلميذه ، وأحد أفراد ذاك المذهب التصويري المادي الذي بدأ باوس بن حجر زوج أم زهير ، وبلغ أوجه مع زهير والنابغة ، وكان من ممثليه شاعرنا كعب والحطيئة كما قدمنا ، وليس من حاجة بهذا المذهب إلى كثير من الشعور الرقيق السيال ، وان كان الشعور يمده رونقا وتشخيصا وحياة تزيد في قيمته ، إنما حاجته خاصة إلى الصبر في تتبع الموصوفات واختيار مواد التشبيهات ، وإلى التعقل في التنسيق والتأليف وتنخل التعابير ، وتثقيف القوافي وإلى قوة الخيال أيضا » . ( 1 ) وسواء بعد الذي سمعناه ، أكان كعب في عداد شعراء المدرسية الأوسية ، أم كان في غيرها ، أو هو تأثر بابيه أو بالنابغة أو بغيرهما من الشعراء ، فهو في نظرنا شاعر اكتملت مقومات الشاعرية عنده رغم انه لم يستطع أن يخرج عن اطار بيئته التي ظلت تشده إليها بحبال قوية وثابتة ، فنظم على منوال ما نظم معاصروه ، فكان علما بارزا منهم ، تأثر بما تأثروا ، وانتهج ما انتهجوا ، بل ونراه في بعض الموضوعات كوصف الصحراء وطرقها وحيواناتها قد تفوق على أكثرهم ، وكان أكثر دقة وتفصيلا ، وأكثر اختيارا واستيفاء ، وحسب كعب في هذا المجال انه صفى شعره من الشوائب ، وتنخل له أنسب الكلمات ، وألم بموضوعه كل الإلمام الذي يصور المشاهد بريشة فنان متقن ، وينقلها نقلا دقيقا لا غبار عليه ولا شبهات ، فكان تلميذا بارعا لأبيه ، وشاعرا معتزا بالسير على منواله ، يقول كعب ( 2 ) :

فان تسأل الأقوام عني فإنني أنا ابن أبي سلمى على رغم من رغم أقول شبيهات بما قال عالما بهن ومن يشبه أباه فما ظلم وأشبهته من بين من وطئ الحصى ولم ينتزعني شبه خال ولا ابن عم

أما شعره الذي نظمه بعيد إسلامه ، فإنه وان كان لا يختلف في نهجه فيه عن المسار العام الذي لم يتجاوزه إلا في القليل النادر ، مثله في ذلك مثل كل الشعراء المخضرمين الذي لم تستطع التغيرات الجديدة أن تدفعهم عن مسارهم وتخرجهم عن سننهم ، ذلك لأن الأحداث الأدبية والتغيرات السياسية التي يشهدها المجتمع « لا تلتقي دائما وأن أزمان حدوثها لا تتلاقى كما يقول الدكتور هداره ( 3 ) بامكاننا أن نلمح في شعره تحولا ليس جذريا ، ولا هو يشكل انقلابا كليا على الذي سميناه التزاما من قبل منه ، هذا التحول يمكن أن ندركه في المعاني الجديدة التي اهتدى إليها بعيد إسلامه ، فقد وسع الإسلام مدارك عقله وآفاق خياله ، وطرائق أساليبه ، وأمده بأشياء كثيرة كان يفتقدها بل ويجهلها ، ولم يكن بوسعه معرفتها لولا ذلك الاطلاع على القرآن الكريم وعلى تعاليم الإسلام ومكوناته السامية ، ولذلك صار كعب في شعره بعيد الإسلام أعمق فكرا وأشمل نظرا وأبعد رؤى وتطلعات ، فللثقافة أثر كبير على الشعراء ، لأن الشاعر الأوسع ثقافة والأشمل معرفة هو الأجود عطاء والأبعد خيالا والاسمي صورا وتعابير ، وباستطاعتنا أن نلمح بداية ذلك التحول عند كعب في قصيدته التي يمدح بها الأنصار ، فهي تبدو وكأنها تخرج في مسارها على السنن التقليدي ، إذ يستهلها استهلالا مغايرا لاستهلال قصيدته في مدح النبي ( ص ) والتي قلنا إنها كانت جاهلية بمسارها ونهجها ، وان الرجل قد جاء إلى الرسول عليه الصلاة والسلام حاملا معه إرث الجاهلية ونهجها المتبع ، ولكنه في مدحه الأنصار نراه يخلع ذلك النهج وكأنه رأى فيه تكرارا مملا أو إرثا قديما لا يتناسب مع طبيعة العقيدة الجديدة التي آمن بها طائعا مختارا ، بل وتائبا من قديمه الذي ألحق به الضرر وكاد - لولا رحمة الله - أن يودي به ، لذلك نراه فيها يخرج من طبيعته الأولى ، ويخاطب الأنصار في شعر جميل يحمل لأول مرة معارفه الجديدة ومكتسباته الايمانية الحديثة العهد ، ويكاد يتحلل فيه إلى حد ما من قيوده الماضية ، ويخلع عنه رداء التقليد الممل ، لولا ذلك التخلص اللبق في نهايتها إلى موضوع هو من قديمه ، ظل يشده الحنين اليه فحمله بعد اجهاد على وصف الناقة دون إكثار ، يقول كعب :

من سره كرم الحياة فلا يزل في منقب من صالحي الأنصار
هامش
( 1 ) الروائع ، ص 99 - أيلول 1933 .
( 2 ) ديوانه ص 49 - 52 .
( 3 ) اتجاهات الشعر العربي ، ص 18 .
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 223 | حسن الأمين