لضيوفي فلك بكران « ( 1 ) ثم قال قصيدته التي صب بها جام غضبه على زوجته وعلى النساء بوجه عام ، والتي مطلعها ( 2 ) :
ودليل آخر ، قول كعب لوالده زهير بعد هجائه الحارث بن ورقاء الصيداوي من بني أسد الذي كان قد أغار على بني عبد الله بن غطفان - وكان زهير يقيم فيهم - فغنم واستخف إبل زهير وراعيه يسار فهجاه زهير بقصيدة جيدة ( 3 ) :
( 4 ) هاتان الحادثتان في رأينا ترسمان اطارا شفافا لشخصية كعب التي قلنا : إن الظروف جعلتها متضخمة الاحساس تثور بسرعة ، ونكاد نلمح فيها التمرد ، بل وحتى السخرية والهزء من أعراف وتقاليد كان على رجل مثل كعب واجب مراعاتها والقبول بها ، ولكنه لم يكن ليقدر على تمالك أعصابه أو حبس ثورته أو السيطرة على منازع نفسه البدوية ، تلك المنازع التي استطاع الإسلام فيما بعد أن يهذبها ويذهب بغلظتها ويحولها إلى شعر نلمح فيه النقمة على الدهر مسبوكة بقالب من الحكمة والمثل ، ولكنها خالية على ما نعتقد من الرحمة واللين والتواصل . . . والمراجع لشعر كعب يلحظ ذلك حتى في شعره الغزلي الذي يستوجب رقة في العواطف ولينا في الطبائع ، وعذوبة في الكلمات ، فإنه لن يجد فيه إلا حديثا عن المشاكسة والنفور ، وحديثا عن الوعود التي لا تصدق ، والأماني التي لا تتحقق ، وعتابا يتجاوز اللوم إلى حد القطيعة والهجران ( 5 ) ، كل ذلك يوحي لنا بشخصية كعب التي يمكن أن يكون للطبيعة القاسية والظروف الحياتية الصعبة أثرهما البالغ في توجيهها وطبعها بطابع الغلظة والجفاف والتمرد . . . ذاك هو كعب بن زهير الشاعر المخضرم الذي حاولنا فيم تقدم أن نرسم له خطوطا متشعبة ولكنها تخرج من مصدر واحد ، وحاولنا فيها قدر الإمكان أن نتعرف على جوانب ثلاثة من سيرته التي أفردت لها كتب الأدب والتاريخ حيزا ليس بالقليل ، وهذا الحيز يدل على أهمية كعب وعلى مدى تأثيره وشهرته في عصره ، حيث كان للكلمة التي كان واحدا من رجالها تأثير لا يقل عن تأثير السيف والسنان ، في عصر تضخمت فيه الإحساسات بالذات ، وشهد بزوغ فجر جديد أهل بنوره ليمسح كل ذلك التضخم ، ويذهب كل تلك المتاهات والظلمات . أما ديوان كعب ، فقد آثرنا ان نفرد له حديثا خاصا ، منفردا عن تلك الجوانب ، ولكنه ليس بعيدا عنها ، وهي في رأينا جوانب مساعدة على اكتشاف مناحيه وأساليبه وخصائصه ، وسينصب حديثنا على ناحيتين اثنتين هما : شعر كعب قبل مجيء الدعوة ، وشعره أثناءها وفيها ، محاولين قدر الإمكان أن نرسم له خطوطا مميزة تظهر الفوارق إن وجدت ، وتلم بأكثر مقوماته وأسس بنائه . . ولا بد لنا قبل أن نتطرق إلى هاتين الناحيتين من أن نشير إلى النمطية والاتباعية اللتين أوقعتا الشعر الجاهلي في التكرار واستهلاك الأحداث والصور ، ونعزو ذلك إلى تمسك العرب بالأعراف والتقاليد وإلى عنت في عقولهم ونفور في طبائعهم ، وإلى مفاهيم خاصة جعلت حتى المساس بتلك الأعراف والتقاليد خروجا على الطاعة وشذوذا عن السنن ، فقد كانت العصبية والقبلية متحكمتين في الناس إلى الحد الذي كان حتى الانتقاد يعتبر تمردا على التماسك والوحدة اللتين كانتا ضروريتين في مجتمع بدوي تسوده شريعة القوة وما يتبعها من قتل ونهب وغارات ، ولذلك فقد ترسخ في أذهان الناس مفهوم الولاء لكل تلك الأعراف والتقاليد ، وتجاوزهما حتى إلى الأدب الذي كان الخروج على أنماطه ضعفا في شاعرية الشاعر ، وقصورا في خياله وتعبيره ، كما كان معيار الفحولة مرتبطا بالمحافظة على تلك الأنماط ، والسير على منوالها الذي يرفع ويضع بقدر الإجادة في الالتزام ، وليس بقدر الخروج عنه ، ولذا قلنا : إن الشعر الجاهلي كان متشابها في موضوعاته وكان على الشعراء ومنهم كعب بن زهير الالتزام بذلك السنن الذي جعلهم ينخرطون فيه موالين له ، ومدافعين عنه ، حتى أضحوا جميعهم ، إلا ما ندر ، من السالكين والمؤسسين والدائرين في فلكه ، ومن ثم كان الخروج تمردا يستوجب الخلع والافراد ، بل السخرية والاستهزاء . وإذا ما نحن عدنا إلى شعر كعب ، وتفحصنا أغراضه الشعرية ، وأساليبه البنائية ، فإننا سنجد ذلك الالتزام واضحا كل الوضوح في سائر قصائده ، ما عدا مقطوعات صغيرة لا تتجاوز في أطولها أصابع اليد الواحدة ، وهي في مجملها تمثل خواطر أفردها لبث شكوى من دهره أو لارسال حكمة ، أراد لها أن تذهب مثلا بين الناس ، فقد حافظ كعب في قصائده الطوال على السنن التقليدي الذي كان يفرض على الشاعر استهلالا معينا يذكر فيه منازل الأحبة ومظاعنهم ويحمله أشجان نفسه ، وحنينه الدائم إلى أوقات الوصل واللقاء ومن ثم يعمد إلى وصف الطبيعة مبتدئا بوصف الناقة أو الحصان اللذين يعتبرهما خير وسيلة تحمله إلى غاياته ، وتحقق له رغباته وأمانيه ويعرج في حديثه على وصف البيئة الصحراوية وحيواناتها وطرقها ، ومكابدته الذاتية في مهامها ، وينتهي بعد ذلك إلى موضوعه الخاص الذي لا يفرد له في أبياته إلا يسيرا من القول ، ولمحا من النظم ، يفيدان الغرض ويدلان عليه ، لكنهما لا يلمان به إلا إلماما - غالبا ما يكون سطحيا - يمكن القارئ أو السامع من استحضاره أمام العين من دون أن يعيره الشاعر ذاته ، أو يحمله ما يجب أن يحمل من رؤى وأبعاد ومن تواصل وتواد . . والحق أن كعبا قد وفق في التزام ذوق أسلافه ومعاصريه ، فكان رساما لمشاهد اعتاد الشعراء على رسمها ، وأحب هو أن يمسك بريشته ويدلي بدلوه ، ويتفحص بعينيه ألوانها ومناظرها ، ويتقرى بيديه أطرها وخطوطها ليرسم لنا صورا طريفة تحمل أحيانا ذوقه الخاص وظلاله المضافة ، إلا أنها في أكثرها تقع في رتابة التفاصيل والأحداث والتحايل على أساليب الصياغة الشعرية التي تزيد خطا هنا ، وظلا هناك ، وتبين بما لا يدعو إلى الشك ، كما استغرق « الجمل والناقة من الشعر وخيال الشاعر ، وكم استغرق وصف الأرض سهلها وحزنها » ( 6 ) من وقته